وفي القلائد 2 / 250 : وقد يستنبط من ذلك أنّه يستحبّ إعطاء الراجح وأخذ الناقص حذرا من الوقوع بموضع النّهي . . . ويدلّ على ذلك ما رواه الشيخ عن حمّاد بن بشير ، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - قال : « لا يكون الوفاء حتّى يميل الميزان » . وفي رواية أخرى : « لا يكون الوفاء حتّى يرجّح . »
أقول : لا دلالة في هذه الروايات إلّا على حسن إعطاء الراجح . وأمّا استحباب أخذ الناقص ، فلا دلالة ولا ذكر له في المقام . كما أنّه لا دلالة فيها على كراهة استيفاء الحقّ عند أخذه ، كما تقدّم ذكره عن المحقّق الأردبيليّ ( قده ) . نعم ؛ لا إشكال في حسنه عقلا ؛ لأنّه إحسان محض وتورّع في الدّين . لأنّ استيفاء الحقّ تامّا ، مظنّة أخذ الزائد ؛ فلا يكون مستحبّا شرعيّا .
قوله تعالى :
« أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ( 4 ) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ
( 5 ) » .
بيان : قيل : إنّ الظنّ في المقام بمعنى الحسبان . والاستفهام للإنكار والتعجّب . ووجه ذلك أنّ رفع العتب والضّرر المحتمل واجب عقلا . أي : كيف لا يعتني هؤلاء المطفّفون بما يعرفون ويدركون بصراحة عقولهم التجنّب والتحرّز عن الضرر المحتمل .
وفيه أنّ عدم الاعتناء بالضّرر المحتمل ، وإن كان موردا للتقريع والتبكيت ، إلّا أنّ ذلك إنّما هو إذا كان المخاطبون الكفّار والمرتابين والشكّاكين . وأمّا إذا كان المخاطبون المسلمين والمنافقين المتظاهرين بالإسلام ، فلا وجه لأن يقال :
إنّه تعالى تشبّث في توبيخ المطفّفين من المسلمين لقاعدة رفع الضرر المحتمل .
بل الظّاهر : إنّ الآية الكريمة مسوقة للتوبيخ والاحتجاج على هؤلاء الّذين يدّعون الإسلام ، بما يعتقدون من العود إلى اللّه تعالى والوقوف بين يديه - سبحانه - للحساب والمجازاة . والاستفهام لإبراز الإنكار عليهم وللتعجّب من غباوة عقولهم ودناءة أخلاقهم وشرارة نفوسهم .
فإن قلت : المشهور عند المحقّقين من علماء الأصول : إنّ الكفّار مكلّفون بالفروع ، كما أنّهم مكلّفون بالأصول .
قلت : الّذي يمكن أن يقال : إنّ الكفّار مكلّفون بالفروع عقابا ، لا خطابا .