تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 245

مساهمون:

ص٢٤٥
وفي قوله :
« إِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ »
هم المطفّفون الّذين يريدون انقاص أموال الناس عند استيفاء حقوقهم مع الزيادة ، وكذلك الّذين يعطون حقّ النّاس ناقصا . وليس المراد من الاستيفاء ، استيفاء حقّهم من غير تطفيف . فإنّ ذلك الغرض خارج عن موضوع الآيتين . وإن أبيت وتشبّثت بإطلاق قوله تعالى :
« يَسْتَوْفُونَ » ،
فيكفي في تقييد هذا الإطلاق الأدلّة المنفصلة الدالّة على تحريم أخذ أموال الناس بالسّرقة والخيانة شرعا وعقلا . قوله تعالى :
« وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ
( 3 ) » . بيان : ضمير الجمع راجع إلى الناس . والظاهر أنّ هذا الضمير في محلّ النصب بنزع الحافض . والجارّ متعلّق بقوله : « كالوا » . أي : إذا كالوا للناس شيئا . وهذه الجملة عطف على الجملة السّابقة . والفاعل في كلتا الجملتين - « اكتالوا » و « كالوا » - المطفّفون . وقيل : إنّه بحذف المضاف . أي : إذا كالوا مكيلهم ، أو وزنوا موزونهم . وقيل : إنّ هذا الضّمير تأكيد من الفاعل في الجملتين . أقول : وكلا الوجهين في غاية السقوط . لأنّ المراد في الآية أنّ أهل التّطفيف إذا اكتالوا من النّاس لأنفسهم ، يستوفون ؛ وإذا كالوا من أنفسهم للنّاس ، يخسرون . فلا بدّ من ذكر اللّام تحفّظا لهذه العناية . وواضح أنّ هذه اللّام في مقابل « على » في قوله تعالى :
« عَلَى النَّاسِ » .
ولو قلنا بحذف المضاف ، أو أنّ الضمير تأكيد من الفاعل في قوله تعالى
« كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ »
تفوت تلك العناية ويختلّ نظام كلامه تعالى . فالمتعيّن هو الوجه الّذي ذكرناه ؛ وملخّصه : إنّ الآية الكريمة قد أفادت تحريم الاستيفاء من الغير في مورد الانقاص ، وكذلك تحريم الانقاص في مورد الاستيفاء لكلّ واحد من المتعاملين ، على نحو القضيّة الحقيقيّة . وهو القدر المتيقّن من دلالة الآية ؛ لا أنّ ذكر الاستيفاء في الآية للتمهيد لبيان قبح الانقاص . ضرورة أنّ معنى الاستيفاء غير معنى الإيفاء الّذي هو مفاد الآيات الّتي نتلوها عليك عن قريب - إن شاء اللّه . فإنّ معنى الإيفاء هو الإتمام والإكمال ؛ والاستيفاء هو طلب الزّيادة على