« هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ » .
( الحشر / 24 )
« هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ » .
( آل عمران / 6 )
« خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ » .
( التغابن / 3 )
أقول : الآيات الكريمة صريحة في أنّ التصوير من أفعاله تعالى الحكيمة القيّمة ؛ وبتدبيره - سبحانه - قد أعطى كلّ إنسان ما يشاؤه من الصّورة . ذلك بتدبير العليم الحكيم .
ولا ريب أنّ هذه الصورة الموجودة وما تقدّم منها من أوّل الدنيا وما تأخّر إلى انقضائها ، أحصاها اللّه تعالى بعلمه ، يلقي ويعطي من هذه الصّور الحسنى من يشاء ما شاء منها تفضّلا وتكرّما ، من غير استحقاق ولا استيجاب ، بمشيّته وتقديره وإرادته - جلّ شأنه - كما هو صريح الآية المبحوثة وغيرها من الآيات الواردة في هذا الباب . وكلّها إبداعيّة غير مكتسبة عن مثال سابق . ففي الصحيفة المباركة السجّاديّة / 245 قال :
« . . . وصوّرت ما صوّرت من غير مثال . وابتدعت المبتدعات بلا احتذاء . »
قال الزمخشريّ : إن قلت : هلّا عطف هذه الجملة كما عطف ما قبلها ؟ قلت :
لأنّها بيان لعدلك . ( الكشّاف 4 / 571 )
أقول : قد وهم الزّمخشريّ أنّ التعديل والتّصوير أمر واحد وقوله تعالى :
« فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ »
بيان وشرح للتّعديل . ولم يتفطّن أنّ التعديل غير التّصوير . فإنّ التعديل هو حيث تركيب كلّ واحد من أعضاء الإنسان وأعصابه وعروقه ، لأجل الانتفاع بها ورفع حوائجه وطلب مصالحه ودفع ما يرد عليه ممّا يؤذيه ويضرّه ؛ والتّصوير هو نظم الأعضاء ونضدها بحيث يوجب جودة وحسنا . فالتعديل غير التصوير . والعناية غير العناية . وقد أكرم اللّه بهذه الصّورة الإنسان دون غيره من الحيوان . والسرّ في خطأ الزمخشريّ أنّ متعلّق التصوير والتعديل أمر واحد ولم يشعر أن الفرق بينهما من جهة أخرى .