تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
« يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ »
: « أدحض مسؤول حجّة ! وأقطع مغترّ معذرة ! لقد أبرح جهالة بنفسه . يا أيّها الإنسان ما جرّأك على ذنبك ؟ ! وما غرّك بربّك ؟ ! وما أنّسك بهلكة نفسك ؟ ! أما من دائك بلول ؟ ! أم ليس من نومتك يقظة ؟ ! أما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك ؟ ! فلربّما ترى الضّاحي من حرّ الشّمس فتظلّه ! أو ترى المبتلى بألم يمضّ جسده فتبكي رحمة له ! فما صبّرك على دائك ، وجلّدك على مصابك وعزّاك عن البكاء على نفسك وهي أعزّ الأنفس عليك ؟ ! وكيف لا يوقظك خوف بيات نقمة ، وقد تورّطت بمعاصيه مدارج سطواته ؟ ! » بيان : قوله - عليه السّلام - : « لقد أبرح جهالة » ؛ أي : أعجبته نفسه بجهالتها . وقوله - عليه السّلام - : « أما من دائك بلول ؟ ! » ؛ أي : من مرضك برء . أقول : قد صرّح - عليه السّلام - في هذا البيان بالغرض المسوقة له الآية الكريمة ، وأنّه للعتاب والتّوبيخ وتقبيح عمل المغترّين . وصرّح أنّهم أدحض مسؤول حجّة ؛ أي : ليس لهم عذر ولا حجّة عند اللّه ، بل حجّتهم داحضة عند ربّهم . ولمّا كانت حرمة الاغترار باللّه - سبحانه - حكما إرشاديّا معلوما بضرورة العقل ، فلا محالة تكون الآية الكريمة إرشادا وتذكيرا إلى حكم الاغترار ، وليس حكما مولويّا تعبّديّا . وحيث إنّ الاغترار له مراتب بحسب الشدّة والضعف ، فتكون الآية إرشادا إلى حكم كلّ مرتبة من مراتب الاغترار . فالاغترار بالتّهاون في جنب اللّه - سبحانه - وعدم الإذعان وعدم الاعتناء به تعالى وبمقامه وشؤونه - جلّ مجده - مصداق للكفر المحرّم . وكذلك خلع الطّاعة في الأحكام والواجب والحرام ، مع الإذعان به تعالى . وأمّا الفجور والفسوق والعصيان ، مع الإذعان بالطّاعة ، فهو من الاغترار المحرّم ؛ إلى أن يبلغ إلى التساهل والتهاون بالسّنن الكريمة الشرعيّة ومكارم الأخلاق العقليّة ، فيكون من الاغترار القبيح وقد ينجرّ إلى الحرام أحيانا أيضا . فالاغترار في الآية الكريمة مطلق شامل لجميع المراتب المذكورة وإرشاد إلى