تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
يذكر العبد جميع ما عمل وما كتب عليه ؛ حتّى كأنّه فعله تلك السّاعة . فلذلك قالوا :
« يا وَيْلَتَنا ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها » .
أقول : الرواية الشريفة تفسير لكلتا الآيتين ، وتدلّ على إفاضة العلم للإنسان في موقف الحساب . وفي ذيلها تصريح بما استظهرناه من أنّ الآية الكريمة تدلّ على إفاضة العلم بعد فقدانه . وأمّا ما يوهم الإطلاق ؛ مثل قوله تعالى :
« يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ . . . »
( آل عمران / 30 ) ، وقوله تعالى :
« إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ . يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ »
( القيامة / 12 و 13 ) ، فيشكل دعوى الإطلاق فيهما . فإنّ قوله تعالى :
« مُحْضَراً »
فيه إشعار بأنّه لم يكن حاضرا عنده ، بل كان فاقدا إيّاه فأحضر . وكذلك قوله تعالى :
« يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ »
الظاهر أنّه لم يكن نبأ عنده ، بل أفيض عليه في هذا الموقف . ويصرّح على ذلك قوله تعالى :
« يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ »
. ( المجادلة / 6 ) فتحصّل في المقام أنّ العلم الحاصل للإنسان يوم القيامة ، هو العلم العيانيّ ؛ والقدر المتيقّن بحسب الموطن ، هو موقف الحساب . وأمّا شعور الإنسان بأنّه مجرم - كما في قوله تعالى :
« بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ . وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ »
( القيامة / 14 و 15 ) - فلا دلالة فيها على كون الإنسان عالما بمعاصيه تفصيلا . قوله تعالى :
« ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ
( 5 ) » . بيان : التقديم والتأخير ، مثل الأوّل والآخر ، أمران اضافيّان . فعمل الإنسان في أوّل بلوغه وتكليفه ، أوّل ومقدّم بالنسبة إلى ما بعده ؛ وما بعده مؤخّر وآخر بالنسبة إلى ما قبله . فالمعنى : علمت نفس ما عملت من الأوّل إلى الآخر . فالآية الكريمة شاملة بإطلاقها للسّنن الحسنة أو السيّئة الّتي عمل بها وروّجها بين الناس وعملوا بها ، وهو شريك في ثوابها أو أوزارها ، من غير أن ينقص من أجور العاملين ومجازاتهم بها شيء . وشاملة أيضا إلى ما بقيت من صالحاتها على وجه الأرض بعد موته
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 224 | محمد باقر الملكي الميانجي