مجملاتها إلى مفصّلاتها ، يدلّ على أنّ الأرض والجبال حملتا ودكّتا دكّة واحدة فتندقّ وتندكّ بحيث لا تحتاج بعد هذه الدقّة الشّديدة إلى دكّة أخرى ، وبسّت جبالها بسّا فكانت هباء منبّثا .
فهذه الوجوه الثلاثة الّتي ذكرها الرازيّ لا تستند إلى شيء من الدّليل . وسرّ هذا الاشتباه أنّهم اعتمدوا في تفسير هذه الآيات وعلى البحث عنها ، بانفرادها ، مع قطع النظر عن غيرها من الآيات الّتي وردت في موردها . وزعموا أنّ المراد من الانفطار هو الانشقاق فقطّ ، مع بقاء السّماء على حالها ، وأنّ انتثار الكواكب مع بقاء هذا الكيان المشهود . وكذلك في تفجير البحار . وقد ذكرنا ما هو التحقيق في البيان السابق ضرورة أنّه لا تنافي ولا تناقض بين هذه الآيات المذكورة في صدر السورة وبين غيرها الدال على انحلال الدّنيا من أصلها واندكاك الأرض والجبال دكّة واحدة وموران الأرض وتبدّل الأرض غير الأرض والسماوات وغيرها من هذا القبيل . فإنّها شرح لتفصيلها وبيان لإجمالها . وقد ذكرنا شيئا من ذلك في الآيات الواردة في هذا الباب . ونفصّل الكلام فيها في الأبحاث الآتية - إن شاء اللّه .
فلنرجع إلى تفسير الآية الكريمة . فنقول :
إنّ التّفجير في قوله تعالى :
« وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ »
معناه - كما ذكره في القاموس 2 / 107 - أي : سالت . وهو الظاهر من الآية أيضا . وليس معناه شقّ بعض مواضع الماء . بل المراد جريان الماء نفسه . ويشهد على ذلك استعماله في غير واحد من الموارد بهذا المعنى . قال تعالى :
« وَجَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ وَفَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ » .
( يس / 34 )
« اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ . . . » .
( البقرة / 60 )
وأمّا حقيقة تفجير هذه المياه ، وإلى أين تجري ، وفي أين تستقرّ ؛ فلا بدّ أن يلتمس من أدلّة أخرى . وواضح أنّ انحلال الدّنيا وبطلان تركيبها وتبديل الأرض بأرض أخرى ، لا ينفكّ من بطلان جميع ما فيها ومن جبالها ومياهها وبحارها وغيرها من الأجرام . والكلام في مقرّ هذه المياه وموضع استقرارها بعينه