تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
وأعظم منه قوله : « كانت هجيراهم كذلك » وما يستفاد من قوله أنّه نزلت هذه الآية تسلية لرسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - وأنّ هذه سنّة اللّه تعالى في الأنبياء السّابقين ! وأنّه تعالى يسلّط الشيطان عليهم ويمكّنه منهم في مقام أخذ الوحي وإلقاء الكفر على ألسنتهم في مرتبه البلاغ ! ولو وقع هذا الصّلح والتّراضي بين رسول اللّه وبين المشركين في الشرك وكان له تأثير في مبارزات الرسول ومجاهداته مع المشركين ، لكان مذكورا في التواريخ والسّير ، مع أنّه ليس في كتب السّير شيء من آثار هذا التصالح والتراضي ! وقد ذكر في المجمع وجوها في الفرق بين الرسول والنبيّ وكذلك في توجيه الآية وتأويلها وجوها كثيرة لا جدوى في التعرّض لنقلها وإيرادها . والظّاهر أنّ هذه الوجوه إنّما تكلّفوها بناء على ما ذهبوا إليه من دلالة الآية وإفادتها إلقاء الشيطان وتسلّطه على الأنبياء والرّسل في مقام أخذ الوحي أو بلاغة . وقد بيّنّا في رسالتنا « الروح في القرآن » ذيل سورة النبأ في الآية الأولى ، الفرق بين الرسول والنّبيّ وكذلك بيّنّا أنّ مرتبة الرسالة والنبوّة وكون الإنسان نبيّا ورسولا ، مقدّم بحسب الواقع والمرتبة على كونه مرسلا ومبعوثا . فيختار تعالى وليّا من أوليائه لتحمّل الأمانة ، ويصطفيه بكرامة الرسالة والنبوّة ؛ ثمّ إذا شاء ، أمره بتبليغها وتعليمها . قال تعالى :
« إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ . وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها » .
( الأعراف / 144 و 145 ) وقوله تعالى :
« وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ » . . .
إنّما هو راجع إلى مرتبة البلاغ بعد الفراغ من مرتبة الرسالة والنبوّة ، كما في قوله تعالى :
« هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ » .
( الصفّ / 9 ) وقد علّل تعالى إرسال الرسول بظهوره وغلبته - صلّى اللّه عليه وآله - بدينه الحقّ على الأديان كلّها .
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 215 | محمد باقر الملكي الميانجي