فعلى ذلك يكون موطن التمنّي في هذه الآية ، موطن المبارزة في إبطال الباطل وإحقاق الحقّ ، كي يدحض كلمة الباطل ويجعلها السفلى ، ويظهر كلمة الحقّ ويجعلها العليا . وبعبارة أخرى التمنّي إنّما هو بمعناه الاسم المصدريّ الّذي يتحقّق في الخارج أو سيتحقّق لا معناه المصدريّ .
والتّمني هو تقدير الإنسان ما يحبّه وما يريده في الخارج على طبق ما يحبّه ويشتهيه ؛ سواء كان من مقدوره ، أو بقضائه تعالى ، أو بالتبعيض . فيتمنّى الإنسان ويأمل أمورا في حياته والميولات الّتي يلتذّ بها في حياته .
والتّمني منه - صلّى اللّه عليه وآله - ليس إلّا بسط تعاليمه ونشر دعوته وإحياء كلمة التوحيد . وهذه قرّة عينه ومنتهى أمله وتمنّيه ، قابلة الانطباق وصادقة على كلّ ما حقّق اللّه من آماله ، وعلى ما لم يتحقّق . والشيطان مترصّد ومتربّص بجنوده وأعوانه لنقض كلّ ما يتحقّق من أمنيّاته وما سيتحقّق بأنواع من المكائد .
فلا يزال الشّيطان يصول ويلقي في أمنيّاته - صلّى اللّه عليه وآله - في عصره وبعده ، بكلّ ما يستطيع عليه أن يلقيه ؛ وخاصّة على علومه ومعارفه وشرائعه . والظّاهر أن إلقاء الشيطان هو مداخلته في جميع الشؤون الدّينيّة . فيوحي إلى أوليائه من المنافقين والضّلّال والمرتابين زخرف القول والعمل ، فيوجد فيهم الاختلاف والحروب والفتن والشكوك والضّلالات ، وقتل رجال العلم والإصلاح ، وتقديم الأراذل والجهّال ، وطلب الأحكام والحلال والحرام بالآراء والأهواء والقياسات الكاذبة .
فلا تزال تجد فيهم فتنة بعد فتنة وعثرة بعد عثرة . وهذه الأمّة تتبع سنن من كان قبلهم من الأمم الماضية ، ليركبنّ سنّتهم حذو النعل بالنعل . وما اختلفت هذه الأمّة والأمم السّابقة إلّا من بعد ما جاءهم العلم بغيا وعدوانا . وليس هذا الاختلاف والارتداد إلّا بعد الحجّة . واللّه يعصم من يشاء ويهديه في هذه الظلمات إلى صراط مستقيم .
قوله تعالى :
« فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ » .