تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 218

مساهمون:

ص٢١٨
تذكرة وحجّة على المعاند ، وتذكيرا للجاهل والغافل ، وتثبيتا للمؤمن ، ونورا للمتبصّر ، وبرهانا وحجّة للفقيه . وهكذا فلا منافاة بين كونه ذكرا للعالمين ، وبين الآيات الأخرى أنّه ذكر لأصناف خاصّة . قال تعالى :
« ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى . إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى »
( طه / 2 و 3 )
« سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى »
( الأعلى / 10 ) ، والآيات كثيرة من هذا القبيل . وممّا ذكرنا من أنّ الاستثناء في الآية الكريمة ليس للحصر الحقيقيّ ، تعرف أيضا أنّه لا تنافي بين هذه الآية وبين غيرها من الآيات المشتملة على نعوت القرآن الجليلة الجميلة لكونه برهانا وفرقانا وبيانا وتبيانا ونورا وضياء وشفاء وهداية وبيّنة وحكمة وبصائر وغيرها من نعوته الكريمة . قوله تعالى :
« لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ
( 28 ) » . تصريح بأنّ الهداية ليست على سبيل الإلجاء والإكراه ، بل إنّما هي متوقّفه على مشيّة المهتدي واختياره الهداية . كما في قوله تعالى :
« إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً » .
( الإنسان / 3 ) قوله تعالى :
« وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ
( 29 ) » . بيان : واضح أنّ الاستثناء من الأمر المنفيّ على الإطلاق ، إثبات لشيء من الأمر المنفّي . فالمنفي هي المشيئة على الإطلاق ، والمستثنى هي مشيّئة العباد بمشيئته تعالى . والمعنى : إنّكم ما تشاؤون إلّا أن يشاء اللّه مشيئتكم . أي : إنّه تعالى يفيض على العباد القدرة والاختيار على الفعل والترك ، وهي الاستطاعة الّتي يملكها العباد بتمليكه تعالى . وحيث إنّ العباد مالكون للمشيئة بتمليكه تعالى بالحقيقة ، فلا جبر . وحيث إنّ هذه المالكيّة بتمليكه تعالى وفي طولها لا في عرضها ، فهو - سبحانه - أملك لها وغير منعزل عنها ، فلا تفويض . وقد مرّ تفصيل هذا الكلام في سورة الدهر .