وجادل في إبطال القرآن في كلّ قرن وفي كلّ عصر ومصر إلى الأبد . ويعرف الإنسان المعارض عجزه وحيرته في نفسه بالبديهة . ولا محصّل لأن يقال : إنّ معرفة هذا العجز والذلّ تحتاج إلى الرجوع إلى العالم وتقليده ، مثل تقليد العوامّ من العالم .
فالعاجز والمتحيّر أعرف من كلّ أحد بعجزه وحيرته وذلّته . وهذا المقدار كاف في تعجيز المعارض والمجادل .
وأمّا معرفة إعجاز القرآن ومعرفة مقامه الشامخ وأنّه كلام اللّه مستقيما بالكلام المتناسب بمقامه تعالى ، وأنّه فعل اللّه ولا يقدر البشر على إتيان مثله - وهذا هو السرّ في عجز كلّ مبطل ومعارض للقرآن الكريم - فلا مطمع لذلك لكلّ أحد من الناس . فتختصّ معرفة ذلك بعدّة من أفاضل أمّة القرآن .
فاتّضح من جميع ما ذكرنا ، أنّ التّحدي بالقرآن ، كما أنّه تقريع وتعجيز للمبطل المعارض ، كذلك بعينه إبراز وبيان للإعجاز الحقيقيّ وأنّه فعل اللّه . فلا محالة يكون حجّة وتبكيتا على المبطل ، وإرشادا للمستهدي ، وتذكرة للمتّقين ، ونورا وضياء وبرهانا إلهيّا لمن تفقّه وتبصّر . وهكذا الكلام بالنسبة إلى جميع المراتب والمراحل الّتي يمكن نيلها لأفاضل البشر .
وبالجملة إذا كان القرآن خارجا عن قدرة البشر وفعلا للّه - سبحانه - على سبيل الإعجاز ، استثناء من سنّة الأسباب والعلل ، فلا محالة يكون حجّة بذاته على ذاته ، وحجّة على جميع محتوياته ، فيبطل جميع ما تقوّله المبطلون في حقّه - صلّى اللّه عليه وآله - وفي قرآنه الكريم .
وبديهيّ أنّ هذا ليس تعبّدا بالدليل السمعيّ ، بل هو مستند إلى الحجّة الواضحة والبيّنة القاهرة عند قوم يعلمون . فمن عقل وأتقن ما ذكرنا ، يعرف أنّ القرآن كلامه تعالى وفعله - سبحانه - على سبيل الإعجاز ، ويعرف أنّه يستحيل بالضرورة مداخلة الشّيطان بل جميع من سواه تعالى من المداخلة في كلامه تعالى .
وأمّا في مرحلة تلقّي النبوّة والرسالة ، فقد ذكرنا فيما تقدّم أنّ الرّسول والنبيّ لا بدّ أن يكون مؤيّدا بروح القدس في مرتبة تلقّي الرّسالة والنبوّة أو في المرتبة المتقدّمة عليهما . والمراد من روح القدس هو العلم المصون المعصوم بذاته . به يعرف
مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 212
مساهمون: محمد باقر الملكي الميانجي
ص٢١٢