تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
بيان : ليس المراد من النسخ في المقام ما هو المراد من النسخ بالنسبة إلى حكم أو آية قبل النّاسخ . لأنّ ما يلقي الشيطان ليس له حقّ استقرار وثبوت شرعيّ كي ينسخ ويبدّل بمثله أو بأحسن منه . بل المراد إبطال أمر عينيّ تكوينيّ خارجيّ . فإنّ الإسلام يعلو ببراهينه وبيّناته ، ولا يعلى عليه . ولن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلا ودليلا وحجّة ؛ بل يزهق الباطل ، ومن شأنه الزّهوق . واللّه يحقّ الحقّ بكلماته ويبطل الباطل . وأحكم اللّه آياته ويتمّ الحجّة على المتغلّبين والمرتكبين ، وتصير أعمالهم سخريّة وملعنة عليهم في القرون الآتية . وهذه السلطة والتمكين للظّالمين اختبار لهم وللّذين في قلوبهم مرض . فإنّ الناس عبيد الدّنيا والمتغلّبين إلّا من عصمه اللّه . قوله تعالى :
« فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ
( 26 ) » . الاستفهام توبيخيّ وإنكار عليهم كيف أجازوا لأنفسهم أن يرموا القرآن الكريم الّذي فيه منار الهدايات وينابيع الحقائق والعلوم بأنّه من قبيل أقوال الكهنة وإلقاءات الشياطين ونظائرها . وقد أفاد الكلام بهذا الاستفهام أنّه ليس مثلكم إلّا كمثل من ترك الجادّة البيّنة الواضحة وأخذ يمينا وشمالا . قوله تعالى :
« إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ
( 27 ) » . بيان : الآية الكريمة تتميم في إبطال مقالة الكفّار في القرآن الكريم وأنّه ليس كما تكذّبونه وترمونه بما لا يليق بساحته الكريمة ، بل ليس هو إلّا ذكرا للعالمين . وهذا البيان تعريف واقعيّ للقرآن ، وبيان لنعت من نعوته . قال تعالى :
« قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ » .
( الأنعام / 90 )
« وَما تَسْئَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ » .
( يوسف / 104 )
« وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ . إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ » .
( ص / 86 و 87 )
« وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ » .
( القلم / 52 ) وحيث إنّ مراتب التذكّر والتبصّر مختلفة ، بحسب اختلاف الأشخاص ، وعلى حسب ما آتاهم اللّه من ضياء الفطرة وشعاع العقل ؛ فلا محالة يكون القرآن