تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
استمالتهم واستنزالهم عن غيّهم وعنادهم . فاستمرّ به ما تمنّاه ، حتّى نزلت عليه سورة والنّجم ، فهو في نادي قومه وذلك التمنّي في نفسه ، فأخذ يقرؤها . فلمّا بلغ قوله :
« وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى »
ألقى الشّيطان في أمنيّته الّتي تمنّاها ؛ أي : وسوس إليه بما شيّعها به ، فسبق لسانه على سبيل السهو الغلط إلى أن قال : تلك الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهنّ لترتجى . وروى : الغرانقة . ولم يفطن له حتّى أدركته العصمة فتنبّه عليه . وقيل : نبّهه جبريل ( ع ) أو تكلّم الشّيطان بذلك فأسمعه النّاس . فلمّا سجد في آخرها ، سجد معه جميع من في النّادي وطابت نفوسهم . وكان تمكين الشّيطان من ذلك محنة من اللّه وابتلاء زاد المنافقون به شكّا وظلمة ، والمؤمنون نورا وإيقانا . والمعنى : إنّ الرّسل والأنبياء من قبلك كانت هجيراهم كذلك ، إذا تمنّوا مثل ما تمنّيت ، مكّن اللّه الشيطان ليلقي في أمانيّهم مثل ما ألقى في أمنيّتك إرادة امتحان من أحوالهم . واللّه - سبحانه - له أن يمتحن عباده بما شاء من صنوف المحن وأنواع الفتن ، ليضاعف ثواب الثابتين ويزيد في عقاب المذبذبين . وقيل : تمنّى : قرأ . . . وأمنيّته قراءته . وقيل : تلك الغرانيق إشارة إلى الملائكة ، أي هم الشفعاء لا الأصنام .
« فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ » ؛
أي : يذهب به ويبطله .
« ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ » ؛
أي : يثبّتها . أقول : ولا يكاد ينقضي تعجّبي كيف رضي الزمخشريّ أن ينسب هذا الكذب والقول بالشرك إلى رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله ؟ ! وكيف استمرّ هذا الجهل القبيح به حتّى أدركته العصمة ؟ ! وما المراد من هذه العصمة الّتي أدركته ؟ ! وما فائدة هذه العصمة بعد ابتلائه بكلمة الشّرك ودعوة الناس إليها واسترضاء المشركين وتأليف قلوبهم بها ؟ ! ولم يتفطّن بذلك حتّى نبّهه جبرائيل - عليه السّلام - ولم لم ينبّهه جبرائيل قبل ابتلائه ؟ ! واعتذاره بذلك بأنّه وقع فتنة وامتحانا ، أعظم من جرمه الأوّل . فأيّ مجوّز على أنبياء اللّه ورسله بتبليغ الكفر وترويجه امتحانا ؟ ! وأيّ فائدة في ذلك للمؤمنين والكافرين ؟ ! وأيّ نتيجة لهم في نزول آية من الشيطان على لسان رسوله غير تقوية حجج المكذّبين وفضيحة المؤمنين ؟ !