فإنّ الرسالة الّتي من المصاديق البارزة للوحي ، هو أخذ ملك الوحي هذه الرسالة ممّن شاء اللّه أن يأخذه منه ، فيحملها ويلقيها إلى هذا الإنسان ، فيصير رسولا ؛ أي : حاملا للرسالة وواجدا لها . ولا يكون ذلك إلّا بعد تأييده تعالى إيّاه بالروح القدسيّ في مرتبة مقارنة لإلقاء الرسالة أو متقدّمة عليها . فيأخذ الرسول الواجد للروح القدسيّ الرّسالة ، فيحفظها ويبلّغها بهذا الروح بعد كونه مرسلا إلى النّاس . والمراد من الروح القدسيّ هو العلم المصون المعصوم بذاته .
وهكذا الكلام بعينه في النبوّة الّتي هي من المصاديق الواضحة للوحي . فيأخذ هذا الإنسان المعصوم النبأ الغيبيّ من اللّه - سبحانه - مباشرة من غير واسطة الملك مؤيّدا بروح القدس ، فيصير نبيّا ؛ أي : حاملا للنبوّة وواجدا لها بالعلم المصون المعصوم بذاته عن الخطأ والنسيان .
قوله تعالى :
« وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ
( 22 ) » .
عطف على قوله تعالى :
« إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ »
ومورد للقسم أيضا . أي : أنتم تعرفونه حقّ العرفان ؛ وقد أقام بين أظهركم من أوّل عمره تشاهدونه في حضوره وأسفاره . وهو أصدق الناس لهجة ، وأسدّهم رأيا ، وأشدّهم عقلا عندكم . فما تقوّلتم واختلقتم عليه أنّه مجنون ، كذب عمديّ ، ومن باب التجاهل لا من باب الجهل وعدم المعرفة به . وسنزيد ذلك توضيحا - إن شاء اللّه .
قوله تعالى :
« وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ
( 23 ) » .
بيان : واضح أنّ الحقائق والغيوب الّتي ضرب اللّه عليها الحجاب العمديّ ، يستحيل العلم بهذه الغيوب المستورة تحت الغطاء والحجاب . وقد جرت سنة اللّه الحكيمة الفاضلة أن لا يظهر على غيبه أحدا إلّا من ارتضاه من عباده المصطفين على سبيل الإعجاز استثناء من سنن الأسباب والعلل . فالغيب عندهم شهادة ، والسرّ عندهم علانية ، على قدر ما شاء اللّه أن يعلموه . قال تعالى :
« عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ » .
( الجنّ / 26 و 27 )