ومن جملة هذه الغيوب العوالم الأخرويّة المسمّاة بعوالم الآخرة في مقابل عالم الدّنيا ، وبعبارة أخرى عالم الغيب في مقابل عالم الشهادة . والرّسول المكين الحامل للوحي ، وغيره من الملائكة ، من الحقائق الأخرويّة . فعلم الرسول بملك الوحي ، هو العلم الحقيقيّ ؛ يشافهه ويكلّمه قبلا . وفي الروايات المأثورة عن أهل البيت - عليهم السّلام - أنّ جبرئيل يستأذن عليه - صلّى اللّه عليه وآله - ويقعد بين يديه قعدة العبد .
وقوله تعالى :
« وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ »
، أي رؤية عيان وحضور . فهذه الآية الكريمة متّحدة المفاد من حيث المصداق ، مع قوله تعالى :
« عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً . إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ »
وصريحة في أنّ رؤيته - صلّى اللّه عليه وآله - جبرئيل قد كانت عن عيان وحضور .
وفي توصيف الأفق بأنّه مبين ، إشعار بصراحة الرؤية وصراحة المرئيّ وصراحة الموقف الّذي كان متناسبا لوقوف جبرئيل به موقفا مبينا وجليّا . والآية الكريمة تأكيد وتثبيت لمفاد قوله تعالى :
« إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ »
- الآيات . فإنّه - صلّى اللّه عليه وآله - رأى هذا الرسول الكريم وتلقّى منه القرآن المبين .
قوله تعالى :
« وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ
( 24 ) » .
الظّاهر أنّه عطف على قوله تعالى :
« وَما صاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ »
، وهو مورد للقسم أيضا . والضنّ بمعنى البخل . وقوله تعالى :
« عَلَى الْغَيْبِ »
متعلّق ب « ضنين » . ولو قلنا إنّ الضّنين على وزن فعيل بمعنى المفعول ، فالمعنى : إنّه - صلّى اللّه عليه وآله - ليس بمضيّق عليه من قبله تعالى ، ولا محروما عن العلم بالغيوب . بل الظاهر بحسب الأدلّة مثل قوله تعالى :
« وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ »
وقوله تعالى :
« عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً . . . »
أنّه تعالى أكرم رسوله وصفيّه واختصّه بغيوبه المكنونة بما شاء منها على ما شاء .
ولو قلنا إنّ الضّنين صفة مشبّهة بمعنى الفاعل ، فالمعنى : ليس هو - صلّى اللّه عليه وآله - ببخيل في إبراز ما علّمه اللّه من الغيب المكنون وأمره ببلاغه ، بل هو أمين ومعصوم من البخل ، يعلّم ويبلّغ ما علّمه اللّه تعالى وأمر ببلاغه ، طبق ما علّمه