الموقف بجميع خصوصيّاته ، يعلم ما يتقدّم منها وما يتأخّر . فإنّ التقدّم والتأخّر أمر إضافيّ ؛ لكلّ متأخّر متقدّم بالنسبة إلى تأخّره عنه حتّى ينتهي إلى آخر ما عمل في عمره ، ويعلم أيضا ما بقي من عمله في الدنيا مع آثاره وتبعاته ، كما لو غصب أرضا أو بنى مسجدا . وسيأتي - إن شاء اللّه - تفصيل ذلك في قوله تعالى :
« عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ » .
( الانفطار / 5 )
تتميم وإرشاد :
لا يخفى عند أولي الألباب أنّ هذه الآيات ، سواء كانت تشتمل على أشراط السّاعة ، أو تشتمل على أهوالها وأفزاعها ، من الحقائق والحوادث الكبار الّتي كشف عنها القرآن الكريم ؛ وهي من جملة الغيوب المستورة الّتي ضرب اللّه عليها الحجاب فيستحيل العلم بها ولا يعلمها إلّا اللّه ومن ارتضاه لغيبه من رسله وصفوة خلقه . قال تعالى :
« عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً . إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ » .
( الجنّ / 26 و 27 )
فالسّبيل الوحيد في باب العلم بهذه الغيوب ونظائرها ، هو التقيّد بالوحي مثل محكمات الكتاب الكريم وقطعيّات السنن . فمن تكلّف وأخذ في الاستدلال عليها ، وخاض في البحث والتّحليل بالمقدّمات العلميّة الاصطلاحيّة ، فلا يزيده إلّا بعدا عن الحقّ وحرمانا عن إصابة الواقع . فلا يجوز معارضة هذه المحكمات والقطعيّات بالقطع الحاصل من المقدّمات الاصطلاحيّة . وإشباع البحث في هذا الباب متوقّف على البحث في الآية الكريمة .
فالإخبار عن هذه الحقائق والغيوب ، من المعجزات الباهرة للقرآن الكريم ، وبرهان صدق على نبوّة سيّدنا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - وهي من المعارف الجليلة . فمن عرف هذا النظام المشهود وما تنتهي إليه عاقبة أمره وفنائه وانحلاله ، يعرف ما يستقبله من الشقاء والنّعمة في سيره ومنقلبه إلى ربّه
و