أقول : بعد التأمّل فيما ذكرنا من التّقريب والتأييد ، يمكن أن يقال في قوله تعالى :
« وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ »
: أي : إنّ أهل الجنّة زوّجوا بالخيرات الحسان وحور عين وبأصدقائهم المؤمنين وبأهلهم الصّالحين ، وأهل النّار بقرنائهم من الشياطين ونظرائهم من الكافرين والمنافقين . واللّه أعلم .
قوله تعالى :
« وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ ( 8 ) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ
( 9 ) » .
بيان : قال في القاموس 1 / 343 : وأد بنته يئدها : دفنها حيّة . وهي وئيد ووئيدة وموؤودة .
أقول : كان العرب يقتلون بناتهم مخافة الفقر . فنهاهم اللّه تعالى عن ذلك . قال تعالى :
« وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً » .
( الإسراء / 31 )
« وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ » .
( الأنعام / 151 )
وقيل : إنّهم كانوا يفعلون ذلك مخافة العار . قال تعالى :
« وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ . يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ » .
( النحل / 58 و 59 )
فقوله تعالى :
« يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ »
. . . الظّاهر أنّ ذلك خجلا وعارا ، لغاية جهلهم وحماقتهم .
أقول : هذه السنّة السيّئة كانت شائعة عند العرب مخافة الفقر كما هو صريح الآية في الأنعام والإسراء . ولعلّها مخافة العار أيضا كما في سورة النحل . وهذا المنع والتحريم إرشاد وتذكرة إلى هذا الفساد والجناية الكبيرة . وقد منّ اللّه عليهم برسوله وبنزول القرآن الكريم ، وأنقذهم من هذه الضّلالة بهذه الآية المبحوثة . وهذه الآية نزلت في هذا الباب على رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - بمكّة بناء على رواية عن ابن عبّاس من أنّ التكوير هي السورة السّادسة من القرآن ، والإسراء