وهذا المقدار من المعرفة بشؤونه تعالى والقيام بهذه الواجبات وامتثالها ، هو العبوديّة بالحقيقة ، ومصداق لامتثال الواجب بالضرورة . وهذا المقدار من معارفهم وإيمانهم وعبوديّتهم كاف لرفع الاستبعاد في حشرهم إلى اللّه - سبحانه - وكاف أيضا في إثبات المماثلة بيننا وبينهم . فيجوز أن يقال : إنّ هذه الدوابّ والطّيور أمم موحّدون وعابدون وإلى اللّه يحشرون .
وأمّا ما ذكره المفسّرون من أنّ اللّه يحشرهم لإيصال العوض إليهم على الآلام ؛ فإن أرادوا أنّهم واجدون لنور المعرفة وهداية الإيمان ، فلا محالة يكون إيصال الثواب على طاعتهم وإيمانهم أولى بالتّعليل وأحرى بالذّكر . وإن أرادوا أنّهم فاقدون للشّعور الفطريّ ونور المعرفة والإيمان ، فلا يستحقّون العوض بشيء من الآلام .
فقد تحصّل من جميع ما ذكرنا ، أنّ المراد من الحشر في قوله تعالى :
« وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ »
هو الحشر إلى اللّه للثواب والجزاء ، إلّا أنّه لم نظفر في كلامه تعالى ولا من الرّوايات لتفصيل حالهم بعد الحشر وكيف تكون عاقبة أمرهم ومآل حشرهم .
قوله تعالى :
« وَإِذَا الْبِحارُ سُجِّرَتْ
( 6 ) » .
قال في القاموس 2 / 46 : سجر التّنور : أحماه . والنّهر : ملأه . والماء في حلقه :
صبّه . والناقة سجرا وسجورا : مدّت حنينها . والسّجور : ما يسجر به التّنّور كالمسجر . والمسجور : الموقد . . . والسّاجر : الموضع الّذي يأتي عليه السيل . . . وتسجير الماء : تفجيره .
أقول : وللمفسّرين في تفسير المقام أقوال شتّى ، منشؤها الإجمال في معنى سجر . وليس في المقام دليل قطعيّ يعتمد عليه . وحيث إنّه لا دليل في المقام بحسب ظاهر اللّفظ يعتمد عليه في تعيين واحد من المعاني ، فليس إلى كسب النظر في تفسير الآية وجه مشروع . فإن كان المراد بحار النّار في الجحيم ، فالمناسب بالمقام هو التوقّد والاضطرام . وإن كان المراد بالبحار بحار الدنيا ، فالمناسب فيها النشف واليبس .
في نور الثقلين 5 / 514 ، عن تفسير عليّ بن إبراهيم : تتحوّل البحار الّتي حول