وهو تعالى فطر هذه الحيوانات من الطيور والوحوش على معرفته وتوحيده .
فكلّ أمّة منها تسبّح اللّه وتوحّده وتمجّده وتهلّله . قال تعالى .
« سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » .
( الحديد / 1 )
« تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ » .
( الإسراء / 44 )
« وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ » .
( الأنبياء / 79 )
« وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ » .
( سبأ / 10 )
بيان : هذه الآيات الّتي أوردناها ، منها ما هي صريحة في أنّ لكلّ نوع من هذه الحيوانات سنّة خاصّة ومنهاجا مخصوصا بتعليمه تعالى وهدايته - سبحانه - وبتسخيره إيّاهم يسلكون فيه لإيفاء الغرض الّذي خلقوا لأجله .
ومنها ما هي صريحة في أنّ كلّ أمّة منهم يسبّحون اللّه ويقدّسونه ويوحّدونه لما فطرهم اللّه على معرفته ومعرفة توحيده ومعرفة نعوته وشؤونه ، وألهمهم أيضا وجوب الإيمان والإذعان بما عرفوا من القيام بوظيفة التمجيد والتسبيح . ومرجع هذا العلم عند التحليل إلى معرفة اللّه - سبحانه - وإلى علمهم وعرفانهم بوظيفة الطاعة والعبوديّة لما عرفوا من الحقّ المبين .
والباحث الخبير يظفر بأزيد ممّا ذكرناه من الآيات . وفي تفسير هذه الآيات روايات نافعة في تثبيت ظواهر الآيات يجب على المتفقّه في معارف القرآن الرجوع إليها والاستبصار بها .
ولا يخفى أنّ وجوب الإيمان باللّه ، ووجوب تنزيهه عمّا لا يليق بجلاله وتمجيده والثناء عليه بما هو أهل له من العظمة والكبرياء ، ليس حكما مولويّا تشريعيّا تعبّديّا كي يحتاج إلى بعث الرسل والتشريع والبلاغ . وإنّما هو واجب عقليّ ؛ أي :
من الأحكام الضروريّة الذّاتيّة المكشوفة بنور العقل ، ولو على نحو البساطة ، من دون احتياج إلى جعل جاعل وتشريع شارع . لأنّ الالتزام بالجعل فيها ، التزام بأن يكون ما هو مجعول بالذات مجعولا بالعرض . فهو محال .