هذا التعطيل إنّما هو بعد النفخة الأولى أو المقارن لها . ولا دليل ولا شاهد على ما ذكره المفسّرون من تخصيص التعطيل بموقف القيامة بعد النفخة الثانية . فلا عشار اليوم حتّى تتعطّل .
قوله تعالى :
« وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ
( 5 ) » .
الظّاهر أنّ الآية الكريمة والآيات الّتي بعدها جاءت لذكر الاحداث الواقعة بعد النّفخة الثانية الجارية في موقف القيامة .
قيل : إنّ الوحش من الحيوان ما يقابل المأنوس منها . وقال في القاموس 2 / 292 : الوحش : حيوان البرّ . وعلى كلّ تقدير ، لا دلالة في الآية على اختصاص الحشر بالوحشيّ دون المأنوس وبالبرّيّ دون البحريّ ؛ سيّما بمعونة قوله تعالى :
« وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ » .
( الأنعام / 38 )
ولا يخفى أنّ الآية الكريمة صريحة في حشر الوحوش . ولا مورد للاستبعاد والاستعجاب في ذلك ، لعدم إحاطة علومنا وأفهامنا بجميع أوضاع الخلقة وأسرارها ومسيرها وغاياتها .
وفي التبيان 10 / 281 ، في تفسير الآية المبحوثة : إنّ اللّه تعالى يحشر الوحوش ليوصل إليها ما تستحقّه من العوض على الآلام الّتي مرّت بها وينتصف لبعضها من بعض . فإذا عوّضها اللّه تعالى ، فمن قال : العوض دائم ، قال : تبقى منعّمة إلى الأبد . ومن قال : العوض يستحقّ منقطعا ، اختلفوا . فمنهم من قال : يديمها اللّه تفضّلا ، لئلّا يدخل على العوض غمّ بانقطاعه . ومنهم من قال : إذا فعل بها ما تستحقّه من العوض ، جعلها ترابا .
أقول : هذا الّذي ذكره ( قده ) وغيره من بعض المفسّرين ، لا دلالة في الآية الكريمة عليه بهذا التفصيل . فالآية الكريمة ، والآية في سورة الأنعام ، لا تدلّان إلّا على إثبات الحشر في الجملة . والروايات الواردة في هذا الباب إنّما هي في شأن المصاديق والأفراد ، ولم أظفر فيها بعد على رواية صريحة مثل الآيتين متعرّضة لإثبات أصل الحشر