القيام بما وجب عليه من حقوقهم .
وفيه : أنّ لازم ذلك فرار الظالم من المظلوم والمطالب - بالفتح - من المطالب . وظاهر الآية وإطلاقها لا يلائمه ولا يوافقه .
ومنها ما قيل : إنّ سبب فرار المرء من أخيه وغيره من خواصّه ، علمه بأنّهم لا يشفعون له ولا يغنون عنه شيئا من حوائجه .
أقول : هذا أيضا أجنبيّ عن عنوان الفرار ، كما لا يخفى .
ويمكن أن يقال : إنّ المراد من الفرار في الآية الكريمة أي : تباعد المرء وتنافره عن أقربائه ، كفرار الناس في الدنيا من الموت . قال تعالى : «
قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ
» . ( الجمعة / 8 ) ويختصّ ذلك بالمورد الّذي تسقط وتنقطع عصمة القرابة الدينيّة بين المرء وأخيه وغيره من أقربائه . ومع بقاء العصمة الدينيّة ، فقد أذن اللّه - سبحانه - في الشّفاعة والنصرة للمذنبين من أهل التوحيد . على أنّه لا وجه للأخذ بإطلاق الفرار على مورد جميع الأقوال ، لما عرفت من عدم تحقّق معنى الفرار في الموارد المذكورة ، وخاصة بناء على القول الّذي أيّدناه . قال تعالى :
« فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ . فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً . وَيَنْقَلِبُ إِلى أَهْلِهِ مَسْرُوراً » .
( الانشقاق / 7 - 9 )
قوله تعالى :
« لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
( 37 ) » .
بيان : الآية الكريمة مسوقة لبيان اختلاف الناس في أحوالهم وشؤونهم يوم القيامة . فلكلّ واحد منهم شأن غير شأن الآخر ، فلا فراغ لهم كي يتوجّهوا إلى غيرهم . وذلك لأهمّيّة ما هم فيه من شؤونهم .
وقوله تعالى :
« يُغْنِيهِ » ؛
أي : يكفيه . فأهل الفضيحة والبليّة لا بتلائهم بما أحاطت بهم من الدواهي ، لاهمّ لهم إلّا أنفسهم . وأهل السّعادة والكرامة مبتهجون بما هم فيه من كرامات ربّهم ، لا احتياج لهم في النظر إلى شأن غيرهم .
فإن قلت : إنّ الآية الكريمة في سياق الآية السابقة ، ومؤكّدة لمضمونها ، وفي