علامات السّاعة ومقدّمات القيامة ، فبها يموت الخلق أجمعون إلّا من شاء اللّه ، وبها يبطل وينحلّ هذا النّظام المحسوس المشهود ، وبها انفطرت السّماء وتمور مورا ، وانتثرت الكواكب . والآيات الصّريحة في ذلك الباب كثيرة . ثمّ نفخ في الصور مرّة أخرى ، فإذا هم قيام ؛ أي : أحياء قائمون من قبورهم ، فيشهدون أنفسهم بالعيان .
قوله تعالى :
« مَتى هذَا الْوَعْدُ . . . » .
أخبر تعالى عن استنكار الكفّار البعث .
فأجاب تعالى وأخبرهم عن أشراط السّاعة بأنّه تفاجئهم صيحة واحدة ، فيموتون بها أجمعون وهم في مشاغلهم وأسواقهم يخصّمون ؛ أي : يتخاصمون ويجادلون في شؤونهم ، أو : يتخاصمون في أمر البعث . ولا يستطيع أحد منهم توصية لأهله ورجوعا إليهم . ويموت كلّ واحد منهم عندما فاجأته الصّيحة في محلّه . فيمكثون ما شاء اللّه . ثمّ نفخ في الصّور مرّة أخرى ؛ فإذا هم من الأجداث إلى ربّهم ينسلون ؛ أي : ينشرون من قبورهم ، يمشون مسرعين إلى موقف الحساب والمجازاة .
وذكر بعضهم نفخة أخرى يسمّونها نفخة الفزع . قال المحدّث الكاشاني في كتابه علم اليقين / 199 : وفي بعض الروايات أن النّفخات ثلاث : نفخة الفزع ، ونفخة الصّعق ، ونفخة البعث .
أقول : وممّا استدلّ به على ذلك قوله تعالى :
« وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ »
( النّمل / 87 ) وقوله تعالى :
« يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ . يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ » .
( الحجّ / 1 و 2 )
أقول : لا دلالة في قوله تعالى :
« وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ . . . »
على أنّ هذه النّفخة قبل نفخة الصّعق . بل الآية ظاهرة الدلالة على أنّ المراد منها صيحة البعث .
والمراد من الفزع يقظتهم من نومتهم الطّويلة فزعين مرعوبين ، بقرينة قوله تعالى :
« وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ » .
أي : يقومون فزعين ، ويأتون إلى حسابه تعالى ومجازاته - سبحانه - أذلّاء صاغرين .
وأمّا قوله تعالى :
« إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ »
، فالأشبه في المقام أنّ الآية