تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
مرحلة التعليل لمفادها . أي : إنّ فرار المرء من أخيه وأمّه وأبيه وصاحبته وبنيه ، ليس إلّا لأنّ لكلّ منهم شأنا يمنعه عن نصرة أخيه وشفاعته . كما ذكره الرازيّ وغيره من المفسّرين . قال الرازيّ في تفسيره 31 / 64 : ثمّ إنّه تعالى لمّا ذكر هذا الفرار أتبعه بذكر سببه ، فقال تعالى :
« لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ » .
قلت : إنّما يصحّ هذا ، إذا كان المراد من الشأن في قوله تعالى :
« شَأْنٌ يُغْنِيهِ »
نوع واحد من الشأن بخصوصه ، وهو الابتلاء بالمحن والآلام . وأمّا إذا كان المراد من قوله تعالى :
« شَأْنٌ يُغْنِيهِ »
الإطلاق فيشمل الشؤون الموجودة في هذا اليوم من أيّ نوع كان - كما هو صريح قوله تعالى :
« وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ . . .
وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ »
- فيسقط ما ذكره الرازيّ وغيره . فعلى هذا تكون الآية مستقلّة في نفسها ، غير مرتبطة بسابقتها ومفصولة عمّا قبلها ، فتشمل شؤون المحسنين والمجرمين على اختلاف في شؤون المحسنين وفي شؤون المجرمين أيضا . وفي الإقبال / 72 و 73 ، بإسناده عن أبي حمزة الثّماليّ ، عن عليّ بن الحسين - عليهما السّلام - في دعاء كان يدعو به في أسحار شهر رمضان قال : « . . . أبكي لخروجي من قبري عريانا ذليلا حاملا ثقلي على ظهري ؛ أنظر مرّة عن يميني ، وأخرى عن شمالي ؛ إذا الخلائق في شأن غير شأني . لكلّ امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه . وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة . ووجوه يومئذ عليها غبرة . ترهقها قترة وذلّة . . . » أقول : الدّعاء الشريف وإن لم يكن ناظرا إلى تفسير الآية ، إلّا أنّه اقتباس من الآية . فيظهر ويتجلّى به معنى الآية الكريمة غايته بالبيان الّذي أوضحناه . وقيل : الوجه في ترتيب الأقرباء المذكورين من تقديم الأخ ثمّ الأمّ والأب - الخ ، هو الإشعار بشدّة مصائب القيامة وآلامها . أي : تتراكم الأهوال والأفزاع على المرء ، فيبتلي بنفسه وينسى عن أحبّاءه وأقرباءه في الدنيا ، حتّى أخاه ، وحتّى أمّه وأباه - الخ . فيتأخّر في الذكر من هو أشدّ تعلّقا بقلب الإنسان ، ثمّ الأضعف