البشريّة ، بحيث لا تصلح ولا تقوم ولا تبقى تلك الأبدان إلّا بها .
الثالثة : كيف قرّر اللّه تعالى إيجاد هذه الأطعمة والأرزاق من هذه الأجرام والأعيان ، على ألوان وآثار وطعوم مختلفة ينتفع الإنسان بكلّ واحد منها في شأن خاصّ ومصرف خاصّ ، متنوّعا بها في مطاعمه ومشاربه ودوائه ومصارفه ، إلى حدّ لا يمكن إحصاؤها من حيث كثرتها واختلاف شؤونها .
وذكر الرازيّ في تفسيره 31 / 61 أنّ وجه النظر في الآية الكريمة ، هي الجهة الأولى فقط الّتي ذكرناها في صدر البيان . وقال ما ملخّصه : إنّ براهين القرآن مؤسسة على أمور واضحة صريحة وبحيث يستفيد منها العموم . وبراهين هذه الجهة أظهر للحسّ وأبعد عن الشّبهة واللّبس . فلا جرم اكتفى اللّه تعالى بذكرها . وهي المراد في الآية دون الجهة الثانية ؛ أي انتفاع الناس بهذه الأرزاق وملاءمتها للأبدان البشريّة .
أقول : لا يخفى وهن ما ذكره الرازيّ من التعليل . إذ لا دليل على أنّه يجب على اللّه - سبحانه - تنزيل القرآن طبق الأفهام العاديّة لانتفاعهم واستفادتهم منه وحرمان أهل الفضل والمعرفة وحذف نصيبهم من القرآن . بل وضع اللّه تعالى كلامه على نحو يستفيد منه الكلّ على حسب درجات معارفهم وكمالاتهم . وهذا أيضا من عجيب أمر القرآن . وليس آيات القرآن وقفا لقوم دون آخرين . وسيأتي في تفسير قوله تعالى :
« مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ »
تضعيف ما ذكره الرازيّ ، وتأييد ما ذكرناه من الجهات .
قوله تعالى :
« أَنَّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا
( 25 ) » .
من قرأ : « إنّا » بكسر الألف ، فعلى الابتداء . ومن قرأ بفتحها ، فعلى أنّه بدل من الطّعام . أي : فلينظر الإنسان إلى أنّا صببنا الماء .
والظّاهر من صبّ الماء ، إنزال الأمطار .
قوله تعالى :
« ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا
( 26 ) » .
أي : شققناها بإنبات النبات والأشجار .
وقال في الكشّاف 4 / 704 : ويجوز أن يكون من شقّها بالكراب على البقر .