قوله تعالى :
« كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ
( 23 ) » .
بيان : ذكر جماعة من النحويّين أنّ « كلّا » حرف ردع وزجر وهو ظاهر كلمات عدّة من المفسّرين فيما ظفرنا بعباراتهم . وأنكر ذلك ابن هشام في المغني 1 / 249 ، وقال ما خلاصته : إنّ ذلك لا يجوز في مثل قوله تعالى :
« فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ . كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ »
( الانفطار / 8 و 9 ) وقوله تعالى :
« لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
- إلى قوله : -
كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ » .
[ القيامة / 16 - 20 ] . فلا بدّ أن يكون معنى « كلّا » في هذه الموارد غير الزجر والرّدع . فعن الكسائيّ ومتابعيه أنّ « كلّا » بمعنى « حقّا » . وعن أبي حاتم ومتابعيه أنّها بمعنى « ألا » الاستفتاحيّة . وعن النضر بن شميل أنّها بمعنى « نعم » و « إي » . . . وقول أبي حاتم عندي أولى .
أقول : وهو كما ذكر ابن هشام في هذا المقام أيضا . فإنّ قوله تعالى :
« كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ »
قد وقع بعد عدّة من نعوته تعالى - وهو الخلق والتقدير والتيسير والإمامة والإقبار والإنشار - فلا معنى أن يقال بعد هذه النعوت : ارتدع وانزجر وانته ! بل المناسب للمقام معنى « ألا » الاستفتاحيّة .
فالمحصّل في الآية الكريمة أنّ « كلّا » فيها افتتاح كلام وتوبيخ آخر ، وبيان أنّ الكفور لمّا يؤدّ شيئا ممّا أمره تعالى به من الإيمان به وبتوحيده ونعوته ومن فروضه وعزائمه . ويمكن أن يقال بشموله للمناهي أيضا . فإنّ الالتزام بامتثال المناهي بتركها من الفرائض العقليّة . وإنّ قوله تعالى :
« ما »
في قوله :
« ما أَمَرَهُ »
نكرة في سياق النفي تفيد العموم والاستيعاب .
وهذا واضح في المقام . لأنّ الكفور ما كان يعتقد أنّ للّه - سبحانه - عليه حقّا ، فلا محالة قد عصى ربّه في جميع ما أمره به ونهاه . وأمّا الموحّدون ، وإن لم يقض بعضهم جميع ما وجب من حقّ اللّه - سبحانه - ومن فرائضه وعزائمه ، إلّا أنّهم أقرّوا والتزموا بجميع ما أمرهم اللّه ونهاهم ، واعتذروا من اللّه تعالى واستغفروا فيما قصّروا فيه .