أمر الناس بذلك . وما سوى ذلك إنّما نشأت من الآراء والأهواء الخرافيّة من أهل الملل الباطلة .
فالمقبور في الأرض هي جثّة الإنسان فقط ، ونسبة الإقبار إلى الإنسان - مع أنّ المقبور ليس إلّا جسده - إنّما هو بعناية جزء أصيل من الإنسان . وفي هذا إبطال لما قيل أنّ حقيقة الإنسان إنّما هو روحه ، وهو فصله الأخير ، والبدن من جملة معدّاته وشرائطه .
قال الفيض ( قده ) في الصافي / 557 : عدّ الإماتة والإقبار في النعم ، لأنّ الإماتة وصلة في الجملة إلى الحياة الأبديّة واللّذّات الخالصة . والأمر بالقبر تكرمة وصيانة عن السّباع .
أقول : إنّ هذا ، وإن كان حقّا في حدّ نفسه ، إلّا أنّه أجنبيّ عن مفاد الآية الكريمة . فإنّ الظّاهر من سياق الآيات أنّها للتقريع والتوبيخ لهذا الإنسان الظّلوم ، وأنّه كيف يصحّ ويستقيم ممّن يكون أوّله نطفة قذرة وآخره جيفة نتنة ، أن يستكبر ويستنكف عن عبوديّة ربّه وعبادته . وقد صارت نعمته تعالى عليه نقمة ، وهدايته - سبحانه - عليه حجّة ، فكيف تكون الإماتة في حقّه وصلة إلى الحياة الأبديّة واللّذّات الخالصة ؟ ! بل هو أهون هالك عليه تعالى !
وقوله : « والأمر بالقبر تكرمة وصيانة عن السباع . » فيه : أنّ المراد بالإقبار هو الإقبار التكوينيّ - كما هو الظّاهر - لا الإقبار التشريعيّ ، بقرينة الإماتة والإنشار .
قوله تعالى :
« ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ
( 22 ) » .
أقول : النشر والنشور هو البعث والفتح . قال تعالى :
« كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً » .
( الإسراء / 13 ) ؛ أي : كتابا مفتوحا غير مطويّ . وقال تعالى :
« وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ » .
( الروم / 20 ) فالمراد من الإنشار في المقام ، هو بعث الموتى من الأرض بعد استهلاكهم فيها .
وقوله :
« إِذا »
ظرف لقوله :
« أَنْشَرَهُ » .
أي : ينشره إذا شاء . لم يعيّن له وقتا أو وكله إلى مشيّته .