العقليّة سواء قلنا إنّهم مكلّفون بالأحكام الشرعيّة التعبّديّة - كما هو مذهب المشهور - أو لا ، كما هو المختار عند بعض .
قوله تعالى :
« ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ
( 21 ) » .
المستفاد من ظواهر الكتاب والسنّة أنّ الإنسان عبارة عن البدن وعن الروح الواجدة للحياة والشعور والقدرة . فموته عبارة عن التفريق بين روحه وبدنه . وقد زعم قوم أنّ حقيقة الإنسان وفصله الأخير هو الروح ، والبدن من شرائطه ومعدّاته ، وموته عبارة عن تخلّصه عن البدن .
ولا يقع الموت إلّا عن إذنه تعالى وأمره كتابا مؤجّلا وأجلا مسمّى . ونسبة الإماتة إلى اللّه - سبحانه - في قوله :
« ثُمَّ أَماتَهُ »
لأنّ المأمورين والموكّلين الّذين يقبضون الأرواح لا يصدرون إلّا عن أمره وإذنه .
قوله تعالى :
« فَأَقْبَرَهُ » .
إقبار الميّت هو إدخاله في حفرته من الأرض ومواراة جثّته فيها . وهو فعل الناس ؛ ونسبته إلى اللّه - سبحانه - لأنّه تعالى هو الّذي ألهمه إيّاهم وهداهم إليه ، وهو الموفّق والمسدّد إيّاهم لإقامة هذه السنّة الحسنة . وهذه تكريم من اللّه - سبحانه - صيانة لبدن الإنسان أن يلقى في الأرض بين أعين الناس . وهذا المقدار يكفي في نسبة الفعل إلى اللّه - سبحانه .
وهل يمكن أن يقال إنّ اللّه - سبحانه - أوجب ذلك في سنّة التشريع ، فتستند المواراة وإقبار الميّت إلى تشريعه تعالى وأمره بذلك ؟ أقول : لا بأس بذلك ؛ إلّا أنّ سياق الآيات وظهورها في بيان سنن التكوين .
أقول : مواراة جسد الإنسان في بطن الأرض سنّة شائعة بين الناس . وأوّل من مات على وجه الأرض هابيل ابن آدم . قتله أخوه قابيل ، ولم يدر كيف يفعل بجثّة أخيه . قال اللّه تعالى :
« فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي . . . » .
( المائدة / 31 )
فتعليمه تعالى الناس بتعليم الغراب قابيل ، ثم صيّره واجبا في سنّة التشريع ،
و