تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 169

مساهمون:

ص١٦٩
وواضح أنّ متعلّق هذا التّقدير هو ذات الإنسان فقطّ ، ولا عناية فيه إلى تقدير أفعاله . قوله تعالى :
« ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ
( 20 ) » ؛ أي : السّبيل والسّلطان والتمكّن البالغ إلى كسب السعادات وإتيان الخيرات ، بإفاضة الهداية والشعور لسبيل الحقّ والباطل والخير والشرّ ، وإفاضة الاستطاعة للفعل والترك . والآية الكريمة قريبة المفاد من قوله تعالى :
« إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً » .
( الإنسان / 3 ) ولا يبعد شمول البحث وتعميمه لسبيل المعاش عليه والتمتّع الكامل بما أعدّ اللّه - سبحانه - وهيّأ له من أنواع النّعم ومن سعادة الحياة الدنيويّة ورفاه العيش وتنظيم وسائل الحياة بعلمه وقدرته على ذلك . واستعمال السّبيل بمعنى التمكّن والسّلطان غير عزيز في الكتاب والسنّة . قال تعالى :
« وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا » .
( النساء / 141 ) ويمكن شمول السّبيل للصّراط المستقيم وسواء السبيل ؛ وهو دين الإسلام ودين اللّه الّذي ارتضاه لأصفيائه وأنبيائه ورسله دينا . وهذه الآيات الكريمة في عين أنّها توبيخ وتشنيع للإنسان الكفور ، فهي احتجاج عليه وحجّة ساطعة على سوء صنيعه ، وعلى قبح ما ارتكبه من حرمات ربّه . وهي بعينها استدلال على ربوبيّته تعالى في إتقان صنعه في خلق الإنسان وتنظيم شأن إيجاده إلى آخر حياته ، وأنّه من بدء تكوينه إلى منتهى عمره ، مصنوع مدبّر مربوب بتقدير الحكيم العليم . وفيها دلالة على عموم رحمته تعالى ، وشمولها للبرّ والفاجر والمؤمن والكافر ، من دون ملاحظة العطف والحنان . وهذا نعت الرحمانيّة العامّة الشاملة للمؤمن والكافر . وفيها تذكرة وإرشاد للحكم الشرعيّ لاستقلال العقل بالضرورة في تحريم كفران نعمته تعالى والكفر به تعالى وبتوحيده . فإنّ الكفار مكلّفون بالأحكام