بعض في شرح « الخالق البارئ المصوّر » : كلّ ما يخرج من العدم إلى الوجود ، يحتاج إلى التقدير أوّلا .
قوله تعالى :
« فَقَدَّرَهُ » .
التقدير : تعيين الشيء من حيث حدوده ومقاديره كمّا وكيفا وبقاء ودواما وغير ذلك . فيستحيل الخلق من الصّانع العليم الحكيم من دون عناية إلى حدوده ومشخّصاته ؛ بل لا بدّ من التقدير قبل مرتبة الإيجاد طبق التدبير العلميّ والنظم الربوبيّ .
في البحار 5 / 122 ، عن المحاسن ، بإسناده عن ابن أبي عمير ، عن محمّد بن إسحاق قال :
قال أبو الحسن - عليه السّلام - ليونس مولى عليّ بن يقطين : . . . أو تدري ما قدّر ؟ قال : لا .
قال : هو الهندسة من الطّول والعرض والبقاء .
وفيه أيضا عن المحاسن ، مسندا عن يونس ، عن أبي الحسن الرضا - عليه السّلام - قال :
. . . قلت : فما معنى قدّر ؟
قال : تقدير الشيء من طوله وعرضه .
فتحصّل أنّه لا ريب بحسب الكتاب والسنّة في وجوب الالتزام بأنّ اللّه - سبحانه - هو المقدّر لما خلق قبل مرتبة الخلقة ؛ في مقابل القول بأنّ الخلقة ليس فيها تقدير ونظم ، بل مجازفة محض من دون التزام بالنّظم والتقدير العلميّ . قال تعالى :
« وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً » .
( الفرقان / 2 )
والتقدير في الخلق من آيات ربوبيّته تعالى ونظمه الظّاهر الباهر .
ولا يبعد أن يكون قوله :
« فَقَدَّرَهُ »
بعد قوله :
« خَلَقَهُ »
المتضمّن للتّقدير ، إشارة إلى خلقة الإنسان خلقا بعد خلق وطورا بعد طور ، من ابتداء خلقه إلى غاية مسيره ومنقلبه . أو يقال : إنّه توضيح وتفصيل لقوله :
« خَلَقَهُ » .
والأوّل أولى . لأنّ الظّاهر بقرينة الفاء ، أنّ متعلّق هذا التقدير هو ما خلقه من نطفة .