الظّلوم بالهلاك والبوار الحقيقيّ المعنويّ . وهذا الدعاء عين حكمه تعالى وعين قضائه العدل في حقّ هذا الكفور . وإنّما أخرجه على لفظ القتل ؛ قيل : تنزيلا للهلاك المعنويّ الواقعيّ منزلة الهلاك المحسوس ، وتقريبا إيّاه للعقول والأفهام ، بما هو من أشدّ أنواع الهلاك المحسوس وأفجعها .
وقوله تعالى :
« ما أَكْفَرَهُ »
بصيغة التعجّب في مقام بيان كفر الإنسان به تعالى وبألوهيّته وربوبيّته وتوحيده ، وكفرانه بمواهب ربّه وآلائه - سبحانه . وليس ذلك إلّا لأجل إفراطه في الشّهوات ، وانهماكه في المعاصي ، وسقوطه وانحطاطه فيها .
قوله تعالى :
« مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
( 18 ) » .
الاستفهام توبيخيّ وإنكار على الإنسان الكفور الجهول . وفيه تعريض عليه ، وعتاب على تغافله وتجاهله بما هو مبدأ تكوّنه وأنّه كيف يتعالى ويستكبر ويستنكف عن عبوديّته تعالى وعبادته - سبحانه . فهو ينادي بأعلى صوته على غباوته وسخافة رأيه .
قوله تعالى :
« مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ
( 19 ) » .
جواب عن الاستفهام المسوق في سياق التعريض والتوبيخ .
وقوله تعالى :
« خَلَقَهُ » .
قال في القاموس 3 / 228 : الخلق : التقدير . والخالق في صفاته تعالى : المبدع للشيء المخترع إيّاه على غير مثال سبق .
وفي مرآة الأنوار / 143 : الخلق وما يشتمل عليه وما يشتقّ منه : لا شبهة في أنّ معظم ورود هذه الكلمة ومشتقّاتها ، بمعنى الإيجاد من العدم . وإنّه في الأصل بمعنى التقدير ، على ما قيل .
أقول : لا خفاء أنّ الخلق ليس بمعنى صرف الإيجاد ، أي مرادفا له ؛ بل بالتأمّل في موارد استعماله يظهر أنّ الخلق هو الإيجاد عن تقدير والصّنع على نظم وتدبير . وهذه العناية هي الفارقة بين الخلق والإيجاد .
قال الفيض ( قده ) في كتابه علم اليقين 1 / 114 في تفسير أسمائه تعالى نقلا عن