تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
الآيات الكريمة ، كما فصّلناه سابقا . وبعضها فسّر الطهارة في قوله :
« مُطَهَّرَةٍ »
بالطّهارة الحسّيّة الظّاهريّة . وهو ممّا لا محصّل له . فإن أراد أنّها مطهّرة تشريعا ويجب على كلّ مكلّف حفظ القرآن من كلّ دنس يوجب هتكه ، فهذا لا يكون نعتا للقرآن . وإن أراد أنّها مطهّرة تكوينا - أي : أراد تعالى وقضى أن لا يمسّ القرآن أيدي الكفّار - فهو خلاف العيان والبداهة . لأنّ الكفّار يقدرون على مسّ القرآن بأيديهم . والحقّ في المقام أنّ المراد : إنّ تلك المصاحف والصّحف المكرّمة المرفوع شأنها باعتبار المكتوب فيها ، مطهّرة - أي : منزّهة ومصونة - من أن يتداخل فيها الشكّ والارتياب ، والكذب والباطل ، واللّهو والهزل ، وغيرها من الأدناس العقليّة الحقيقيّة . لأنّها إنّما أنزلت بعلم اللّه ، فهي عين الحقّ ومحض الصدق ، وقول فصل وحكمة وهداية . وواضح عند أولي العلم والإنصاف ، أنّ عصمة القرآن ومصونيّته وطهارته في علومه وشرائعه ومعارفه ناحية عظيمة من نواحي إعجازه . قوله تعالى :
« بِأَيْدِي سَفَرَةٍ
( 15 ) » . نعت بعد نعت للصّحف المكرّمة . قال في القاموس 2 / 49 : السّفرة : الكتبة ، جمع سافر ، والملائكة يحصون الأعمال . وفي مرآة الأنوار / 178 : أصل السفر بسكون الفاء - : الكشف والوضوح . يقال : أسفر الصبح ؛ إذا أضاء وانكشف . وأسفرت المرأة عن وجهها ؛ إذا كشفت عنه . . . يقال للكتاب سفر ؛ لكونه موضحا لما فيه . وكذلك أيضا يقال : سفر بين القوم : إذا مشى بينهم بالصّلح والخير وبيان ما فيه الصّلاح . فهو سفير . والجمع : سفرة . أقول : لا سبيل في المقام إلى إرادة المعنى الأوّل والثاني ؛ أي : الكتبة والوضوح والانكشاف . لأنّ هذا القرآن النازل في مرتبة العمل ، ليس في أيدي الملائكة . وكذلك لا محصّل لمعنى الكشف والضوء في تفسير السّفرة الّتي هي الأشخاص . فتعيّن المعنى الثالث ؛ وهو : الّذي يمشي بين الناس للإصلاح . ومنه قول الشاعر :
وما أدع السّفارة بين قومي * وما أمشي بغشّ إن مشيت
( مجمع البيان 10 / 436 )