بل المراد من النفي فيها النفي التكوينيّ ، أي الجبر والإيجاب من اللّه - سبحانه - كما في قوله تعالى :
« أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ » .
( يونس / 99 ) فيجب التذكّر بوجوب الإيمان باللّه والاهتداء بهداية القرآن والتسليم لبراهينه وحججه الّتي لا ريب فيها .
نعم ؛ الآية الكريمة ونظائرها حجّة قارعة في إبطال قول من قال بالجبر في أفعال العباد الّذي يسمّونه بالتّوحيد الأفعاليّ . وهذا خديعة ومكيدة على ضعفاء المتعلّمين . وهذه الآيات دليل واضح على إثبات الاختيار والاستطاعة مع إبطال التّفويص على التفصيل المقرّر في محلّه .
والظّاهر أنّ قوله تعالى :
« فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ »
جملة معترضة بين قوله تعالى :
« إِنَّها تَذْكِرَةٌ »
وبين قوله تعالى :
« فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ » .
والجارّ في قوله :
« فِي صُحُفٍ »
متعلّق بالمحذوف . أي : مكتوبة ، أو : مثبتة .
فإن قلت : أيّ مانع أن يراد من التذكرة الموعظة ، أو نفس هذه السّورة المباركة ، أو الموعظة في هذه السّورة ، أو المعاتبة الواقعة في صدر السّورة ؟
قلت : التذكرة ما يقابل الغفلة والنسيان ، ومتعلّقها أعمّ من موارد الموعظة والنصيحة . وهي مطلقة تعمّ وتشمل موارد الموعظة وجميع الحقائق والمعارف الّتى تمكن أن تكون موردا للتّذكرة والإرشاد ؛ مثل معرفته تعالى ، ومعرفة توحيده ونعوته تعالى ومعاني أسمائه وصفاته - سبحانه - بناء على كون هذه المعارف ضروريّة ، كما هو الحقّ المبين . فعلى هذا يكون تفسير التّذكرة بما ذكروه ، من باب حمل المطلق على الفرد المعيّن أو على النوع الواحد . وهو قول بلا دليل لا يجوز الإصغاء إليه .
على أنّ سياق الآيات وظهورها واضح في أنّها لبيان جلالة القرآن الكريم وفخامة شأنه عند اللّه - سبحانه - ومغايرة لما ذكروه من أنّ المراد من التّذكرة هي الموعظة ، أو السورة نفسها ، أو الموعظة في هذه السورة ، أو المعاتبة على العابس في صدر السورة . ضرورة أنّ الآيات مسوقة في توصيف القرآن والثّناء عليه في إحكام البيان ، وفي إحقاقه الحقّ وإبطاله الباطل ، على نحو يستفيد منه الكلّ على نحو الكمال