لعقول الناس وأفهامهم ؛ وكذلك في إبطال الباطل وإرشاد الناس إلى معرفة الباطل باطلا وتنفيرهم عنه .
والظّاهر أنّ معنى قوله تعالى :
« تَذْكِرَةٌ »
أي : إثارة ما أودع اللّه - سبحانه - في ذوات الناس من شعاع العقل ، فيدركون به الجيّد والرديء والحسن والقبيح ، وإنارة الفطرة الّتي فطر اللّه الناس عليها من معرفته تعالى ومعرفة توحيده . قال تعالى :
« فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ » .
( الروم / 30 )
وفي الكشّاف 4 / 218 وتفسير الطبريّ 30 / 34 أنّ التّذكرة الموعظة . ولا يخفى ما فيه من الضّعف . فإنّه تقييد للعموم - أي المطلق - بالنوع الواحد منه ، من غير دليل يوجب تقييده .
فإن قلت : إنّ ظاهر هذه الآية الكريمة المبحوثة ونظائرها في القرآن الكريم ، أنّ القرآن تذكرة كلّه . وضروريّ أنّ القرآن فيه أحكام مولويّة تعبّديّة ، وفيه أيضا حقائق ومعارف غائبة عن الحسّ وبعيدة عن نيل العقول والأفهام العاديّة ؛ مثل حقائق الآخرة والبرزخ وما بعده من المواقف والمنازل وغيرها من الحقائق مثل اللّوح والعرش والكرسيّ . فكيف يستقيم أن يكون القرآن كلّه للتّذكرة والإرشاد ؟ !
قلت : نعم ؛ ولكن لا يبعد أن يكون المراد من كون القرآن تذكرة باعتبار كثرة الآيات المسوقة للتذكير .
هذا أوّلا . وثانيا : يمكن أن يقال : إنّ القرآن الكريم قد تعرّض للنواحي المختلفة والأبحاث المتنوّعة ، مع إحكام البيان وإعطاء البرهان في جميعها ؛ من المعارف والحقائق ، والتشريع والتقنين ، والمواعظ والنصائح والعبر ، والإنذار والتبشير ، وغيرها من مقاصده العالية الّتي لا يمكن إحصاؤها . وفي جميع تلك النواحي أو أكثرها شيء من التّذكير ونوع من الإرشاد ، حتّى في آيات التشريع أيضا . فلا يمكن تجريد هذه النواحي والجهات من تذكار القلوب وتنوير الأفكار ، وتلقيح