وبما أنّ القبح والحرمة العقليّين ليسا بجعل جاعل وتشريع شارع ، بل هما قبح وحرام بذاتهما ومكشوفان بالعقول ، فيسقط ما يمكن أن يقال : إنّ الإعراض عن الفقير المؤمن وتقديم الكافر الغنيّ عليه ، ما كان منهيّا وممنوعا قبل نزول هذه الآية ، وإنّما كان قبيحا وحراما بعد نزولها .
[ سورة عبس ( 80 ) : الآيات 11 إلى 23 ]
كَلاَّ إِنَّها تَذْكِرَةٌ ( 11 ) فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ ( 12 ) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ ( 13 ) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ ( 14 ) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ( 15 )
كِرامٍ بَرَرَةٍ ( 16 ) قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ ( 17 ) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ( 18 ) مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ( 19 ) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ( 20 )
ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ ( 21 ) ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ ( 22 ) كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ ( 23 )
بيان :
ظاهر كلمات عدّة من المفسّرين أنّ « كلّا » حرف ردع وزجر لما تقدّم من الكلام . ونسب ذلك ابن هشام في المغني 1 / 249 إلى كثير من النحويّين أيضا .
أقول : وهو كما قالوا في هذه الآية المبحوثة ونظائرها ، أي في كلّ مورد يكون ما قبل « كلّا » ممّا يجب الردع والزجر عنه . أمّا القول بأنّ « كلّا » حرف ردع على الإطلاق من غير فرق وتفصيل بين مورد ومورد ، فغير صحيح على ما سيجيء حقّ القول في ذلك في تفسير قوله تعالى :
« كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ » .
فقوله تعالى :
« كَلَّا »
اعتراض على العابس ، وردع إيّاه عن ارتكاب ما تقدّم ذكره من الخصال الشّنيعة في الآيات السّابقة ، أو خصوص رفعه الأغنياء وإكرامهم ، وتحقيره الفقراء المؤمنين وإهانتهم .
ثمّ افتتح تعالى الكلام بقوله :
« إِنَّها تَذْكِرَةٌ »
والظّاهر من سياق الآيات أنّها في بيان مقام القرآن الكريم وموقعه الخطير في الدّعوة إلى الحقّ وإحقاقه ، وتقريبه