تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
العبد نفسه ، ومعرفته ربّه تعالى بحقيقة الإيمان والعيان ، من حيث إنّه تعالى رقيب وحفيظ ومهيمن على كلّ نفس بما كسبت في سرّه ، وعلانيته . ومرجع ذلك بحسب التحليل إلى العلم ، أي : كون الإنسان الخائف الخاشي عارفا بربّه ، وذاكرا بمقام مولاه ، ومالكا لزجر النفس وضبطها عن التجاوز إلى حرمات ربّه ؛ على بصيرة وعيان في كلّ ذلك . في روضة الكافي / 16 روى الكلينيّ عن عليّ بن الحسين - عليهما السّلام - إلى أن قال : فمن عرف اللّه ، خافه ، وحثّه الخوف على العمل بطاعة اللّه . وإنّ أرباب العلم وأتباعهم ، الّذين عرفوا اللّه ، فعملوا له ، ورغبوا إليه . وقد قال اللّه :
« إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » .
( فاطر / 28 ) وأعلم أنّ أهل الخشية الّذين هم أهل الذّكر والعلم باللّه ومراسم عبوديّته ، إذا واجهوا دعوة الأنبياء المذكّرين ، يزيدهم ذكرا على ذكرهم السابق ونورا على نورهم الحاصل . إذ لا تناهي لمراتب معرفته تعالى . فلا تبقى منافاة بين الآيات الدالّة على أنّ الخشية هي العلم والتذكّر وبين الآيات الدالّة على أنّ أهل الخشية يتذكّرون عند دعوة الأنبياء . قال اللّه تعالى :
« سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى » .
( الأعلى / 10 )
« ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى . إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى » .
( طه / 2 و 3 ) . . . فقد اتّضح من جميع ما ذكرنا ، أنّ العابس غير رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله - كائنا من كان . فإنّه - صلّى اللّه عليه وآله - أخفض جناحا وألين جانبا لأوليائه المؤمنين . والآيات الكريمة تفيد الزّجر والنهي عمّا ارتكبه العابس . وضروريّ عند الفقيه البصير أنّ هذا النهي والزجر ، ليس نهيا شرعيّا مولويّا تعبّديّا ، وإنّما هو إرشاد وتنبيه إلى ما يستقلّ به العقل من قبح إكرام الغنيّ الكافر وتقديمه على المؤمن الفقير ، وتحقير الفقير المؤمن وإهانته بالإعراض عنه ؛ بل هو حرام عقلا .