قوله تعالى :
« وَأَمَّا مَنْ جاءَكَ يَسْعى ( 8 ) وَهُوَ يَخْشى ( 9 ) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى
( 10 ) » .
بيان : الظّاهر أنّ المراد من السعي هو الإسراع في المشي . قال في القاموس 4 / 342 : سعى سعيا - كرعى - : . . . مشى وعدا .
وفي مرآة الأنوار / 190 : السعي قد يكون بمعنى المشي السّريع . ويعدّى حينئذ بإلى .
وهذا توبيخ آخر على العابس ؛ فيعاتبه تعالى ويقول : إنّ من يسعى إليك في حاجة من حوائجه ، وهو ممّن يخشى اللّه ويخافه ويراقبه ، فأنت تتغافل عنه وتتشاغل بغيره !
وحيث إنّ قوله :
« يَخْشى »
وقع في مقابل قوله :
« اسْتَغْنى »
فلا محالة ينطبق قوله :
« يَخْشى »
على المؤمن الفقير الّذي يخاف اللّه ويراقبه .
والكلام في هذه الآية الكريمة كسابقتها ، من حيث إنّ التعبير فيها بالجملة الإسميّة وبصيغة المضارع يدلّ على استمرار هذه الخصلة السيّئة في العابس .
وقوله تعالى :
« يَخْشى »
ليس المراد من الخشية في هذه الآية الكريمة ونظائرها في القرآن الكريم ، ما هو المتوهّم في بدو النظر من انفعال النّفس وتأثّرها في مقابل الحوادث والأهوال الواردة عليها فتدهش وتضطرب بحسب المزاج والطبع المادّي . ومنشأ هذا الاضطراب ضعف النفس وكونها فاقدة للكمالات المناسبة للرّوح الإنسانيّ ؛ كما في قوله تعالى :
« وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ » .
( الإسراء / 31 )
والظّاهر أنّ المراد بالخشية في هذه الآيات ، هو زجر النفس ومنعها عن إساءة الأدب في ساحة ربّه تعالى ، والقيام بالوظائف المقرّرة للعبوديّة بينه وبين ربّه - سبحانه .
والخشية - أي : المراقبة والتّحفظ بمقام الألوهيّة - من الفرائض باستقلال وضرورة من العقل . بخلاف الخشية الواردة من هوان النّفس ؛ فإنّها من الصّفات المذمومة ، ويترتّب عليها آثار سيّئة . فالخشيتان حقيقتان متباينتان .
ولا يخفى أنّ الخشيه - أي : المراقبة لمقام الربوبيّة - تتوقّف وتتفرّع من معرفة