وهذا باب واسع في تعاليم القرآن . وهو الأساس لعلم الأخلاق بحسب العلوم الشّرعيّة . قال تعالى :
« فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ . لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ » .
( الغاشية / 21 - 22 )
فتحصّل في المقام : أنّ التذكّر والذكرى عبارة عن الاستضاءة بالعلم الّذي أودعه اللّه في ذواتهم ، وفطرهم عليه ، وكانوا غافلين عنه . فبإرشاد الهادين وأهل التذكير ، خرجوا عن البساطة العوامّيّة وعرفوا ما يجب عليهم أن يعرفوه .
قوله تعالى :
« فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرى
( 4 ) » ؛ أي : بعد ما تذكّر وعرف ما يجب أن يعرفه ، يتمكّن من العمل بعلمه . وهذا هو الانتفاع بالذكرى . وهذا من جملة ما يستقلّ به العقل أيضا .
قوله تعالى :
« أَمَّا مَنِ اسْتَغْنى ( 5 ) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى
( 6 ) » .
قوله :
« اسْتَغْنى » .
قيل : أي استغنى عن اللّه . وقيل : استغنى عن الإيمان والقرآن . وقيل : بماله وثروته .
وضعّف الرازيّ في تفسيره 31 / 56 هذا القول الأخير بوجهين . أحدهما : إنّ إقبال النبيّ - عليه الصّلاة والسلام - ليس لثروتهم . الثاني : إنّه لا تناسب في مقابلة قوله :
« اسْتَغْنى »
وقوله تعالى :
« مَنْ جاءَكَ يَسْعى وَهُوَ يَخْشى » .
فإنّ الخشية من اللّه تعالى والمراقبة لجلاله وكبريائه ، إنّما تناسب الإعراض عن اللّه تعالى والإيمان به - سبحانه - لا الثروة والمال ، وإن كان الثروة والمال هو السبب في ذلك .
والجواب عن الأوّل : إنّ الآيات من أوّل السّورة ناصّة على أنّ المخاطب والمعاتب ليس هو رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله . فكيف يكون دليلا على صرف الآية عن الاستغناء عن الناس لماله ، بالاستغناء عن اللّه تعالى وعن الإيمان ؟ !
والجواب عن الثاني : إنّ الرازيّ قد توهّم في أوّل نظره عدم التّناسب في مقابلة
« اسْتَغْنى »
مع
« يَخْشى » ،
وغفل أنّ الآيات جميعها في سياق واحد ومشترك المفاد في العتاب على العابس . والفرق بين هاتين الطائفتين من الآيات : إنّ الآيات السّابقة مسوقة في توبيخ العابس من حيث احتقاره المؤمن الأعمى وإبراز الكراهة في