قوله تعالى :
« فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى ( 39 ) »
.
قال في الجوامع / 529 : والمعنى : فإنّ الجحيم مأواه . كما تقول للرجل : غضّ الطّرف . أي : طرفك . وليس الألف واللّام بدلا من الإضافة - كما قال بعضهم - ولكن لمّا علم أنّ الطاغي هو صاحب المأوى ، الإضافة . ودخول حرف التعريف في المأوى ، لأنّه معروف .
قوله تعالى :
« وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ . . . » .
بيان : قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى :
« وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى »
شرحا شافيا في أنّ حقيقة خشيته تعالى في وجود العبد ، ليس من باب الانفعال المادّيّ والتأثّر المزاجيّ ، ولا من باب القريحة والذوق . وإنّما هو موقف خطير من مواقف معرفته تعالى ؛ موقف انشراح الصدر ونزول السّكينة والطّمأنينة الإلهيّة . فالنّفس الإنسانيّة واجدة لها لأجل كمال من الكمالات الحقيقيّة . ومعنى الخشية هو المراقبة للّه الّذي هو تعالى مراقب له ، وعند التحليل يرجع إلى معرفة العبد ربّه بتعريفه تعالى نفسه إيّاه من حيث إنّه تعالى مراقب له وعلى كلّ نفس بما كسبت . فيراقب العبد ربّه تعالى ، ويجلّه أن يعصي مولاه في هذا الموقف الجليل .
وهذه المراقبة قد أدرك وجوبها بضرورة عقله من القيام بوظيفة العبوديّة . وكلّما اشتدّ نور عقله من حيث عرفان وظيفة العبوديّة ، اشتدّت مراقبته لساحة الربّ تعالى ورعاية أدب الحضور . فالعبد مستغرق في ضياء معرفته تعالى ومعرفة وظيفة العبوديّة .
ولعلّ المراد من الخوف ، معرفته تعالى من حيث عظمته وكبرياؤه ؛ فيها به العبد ويعظّمه أن يرتكب بين يديه ما يخالفه ، ويعصيه . وقد أدرك هذه الوظيفة من عقل عن اللّه تعالى ؛ وإنّما يتذكّر أولو الألباب . فيقوم العبد بوظيفته ، بعد أن عرفها .
فليس الخوف انقهارا ، ولا انكسار الضّعيف في مقابل القويّ القاهر . بل هو استنارة بمعرفته تعالى بتعريفه سبحانه نفسه ، واستضاءة بمعرفة الوظيفة ؛ وقد أدرك ما يجب عليه في هذا الموقف الجليل ، وترفّع وتنزّه عن التدنّس بقذارة العصيان بين يدي ربّه .