تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
« مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ » .
( الشورى / 20 ) ومقتضى إطلاق الإيثار - أي : إيثار الدّنيا على الآخرة - شمول الآية الكريمة للكفّار والفسّاق من المسلمين ؛ الّذين يرتكبون الفواحش والكبائر الّتي قامت ضرورة العقول على قبحها وتحريمها ، فاتّخذوا هذه الدّنيا الدنيّة بدلا عن اللّه وعن دار كرامته الّتي لا تزول . ذلك مبلغهم من العلم . أفّ لهم ولما يعبدون من دون اللّه ! وليس المراد من الطّغيان هو الإيثار ، ولا من الإيثار هو الطّغيان . ولا تلازم بينهما دائما . وقد يكون الطّغيان من غير الخداع والافتتان بالدنيا . وقد يكون الإيثار من غير طغيان . فإن قلت : فأيّ مانع من أن يقال : إنّ قوله تعالى :
« وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا »
، عطف توضيحيّ على قوله : « طغى » ؛ فيكون مصداق أحدهما عين مصداق الآخر . قلت : هذا خلاف الظّاهر ولا دليل عليه . والظّاهر في الكلام التأسيس دون التأكيد . والمراد من الطّغيان هو الإفراط وارتكاب الفسوق والفجور والتّجاوز عن حدود عبوديّته تعالى وهضم حقوق النّاس ؛ وهذا قد يكون من غير افتتان بالدنيا مثل بعض الأراذل الّذين ليست لهم همّة إلّا إشباع شهواتهم وميولهم النفسانيّة ، وليس لهم إلّا حبّ الجاه والرئاسة والمال والشهرة . وقد يكون بالافتتان والإيثار للدنيا على الآخرة ؛ كمن ترك الدنيا وملاذّها وزخارفها لأجل الدنيا وحبّا للمدح والشّهرة . فإنّ شهوات الخلق مختلفة . وقد يجتمع العنوانان من غير وحدة المصداقين ؛ مثل الفراعنة ، فيكون طاغيا ومؤثرا أيضا . ولو وجد التلازم في بعض الصّور ، فلا مضايقة . وأمّا التلازم الدائميّ ، فلا . فإن قلت : أليس أثر الطغيان والإيثار ، هو الإعراض عن اللّه وعن الآخرة ؟ ! قلت : نعم ؛ إلّا أنّه لا يدلّ على وحدة المصداق ، وإنّما يدلّ على وحدة الملاك ؛ مثل حقيقة الكفر وحقيقة الفسق .