العدل في الظالمين وفضله ورحمته على المتّقين . ولو كان فيها إعمال تهديد ، فإنّما هو بالنّسبة إلى الظّالمين دون المحسنين . هذا أوّلا .
وثانيا : إنّ ذلك إنّما يصحّ إذا كان الورود بمعنى الدخول ؛ وهو غير سديد ، لكثرة استعمال الورود في غير الدخول . قال تعالى :
« وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ . »
( القصص / 23 )
« فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ » .
( يوسف / 19 )
وفي نور الثقلين 3 / 253 ، عن تفسير عليّ بن إبراهيم ، بإسناده عن الحسين بن أبي العلاء ، عن أبي عبد اللّه - عليه السّلام - في قوله - عزّ وجلّ - :
« وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها »
قال : أما تسمع الرجل يقول : وردنا بني فلان ؟ ! فهو الورود ، ولم يدخله .
وثالثا : على فرض صحّة استعمال الورود في مورد الدخول ، يكون قوله تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى »
. . . حاكمة ومخصّصة لإطلاقها . ولا يعقل التعارض بين هذه الآية المبحوثة وغيرها من الآيات ، إلّا بعد إحراز وحدة الموقف ووحدة الغرض بينهما . وقد ذكرنا فيما تقدّم ، عدم وحدة الغرض ، ولم يتبيّن بعد وحدة الموقف فيهما .
قوله تعالى :
« فَأَمَّا مَنْ طَغى ( 37 ) وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا
( 38 ) » .
الظّاهر أنّه جواب عن قوله تعالى :
« فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى »
، وتفريع منه ، وتلخيص لجوانب الكلام .
وقيل : إنّه شرط ثان ، وقد عطف عليه قوله تعالى :
« وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا » .
وجواب كلا الشّرطين قوله تعالى :
« فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى » .
( تفسير الرازيّ 31 / 51 ) ولا يبعد أن يقال : إنّ الجواب هو مجموع الشّرطيّة والجزائيّة . أي :
« فَأَمَّا مَنْ طَغى وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا »
فجزاؤه ومأواه هي الجحيم .
والطّغيان : هو الإفراط في المعاصي والمآثم ، والخروج عن حريم عبوديّته تعالى .
والإيثار : هو الاختيار وتقديم الحياة الدّنيا الفانية على الآخرة ، وعلى دين اللّه الّذي اختاره تعالى لأحبّائه دينا . قال تعالى :