فإنّ البيان الّذي ذكرناه في تفسير « برّزت الجحيم » جار وسار في جميع الحقائق الأخرويّة المحجوبة المستورة عن الإنسان في جميع المواقف . والآية المبحوثة مورد ومصداق من مواردها ومصاديقها . وهي أيضا نظير قوله تعالى :
« كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ . لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ . ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ . ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ » .
( التكاثر / 5 - 7 )
والظّاهر أنّ مرتبة عين اليقين متأخّرة عن مرتبة رؤية الجحيم ؛ وخاصّة بقرينة قوله تعالى :
« ثُمَّ لَتَرَوُنَّها . . . » .
ومرتبة رؤية الجحيم علم اليقين ، في مرتبة متقدّمة على مرتبة رؤيتها عين اليقين . وهذه المرتبة - أي رؤية الجحيم - وإن لم يتعيّن موقفها بخصوصها ، إلّا أنّها قابلة الانطباق على قوله تعالى :
« وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى »
. وفي هذه الآيات ونظائرها دلالة قاطعة على موجوديّة النار ومخلوقيّتها كما لا يخفى .
قوله تعالى :
« لِمَنْ يَرى »
قال في المجمع 10 / 434 : فيراها الخلق مكشوفا عنها الغطاء ، ويبصرونها مشاهدة . وقريب منه عبارة بعض المفسّرين .
أقول : لا يخفى أنّ ظاهر الآيات الكريمة :
« فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى
. . .
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ . . . »
، في سياق التهديد على من أنكر البعث ، ويشمل بإطلاقه كلّ من خالفه تعالى . فلا يشمل هذا التهديد جميع الخلق ؛ المحسنين والمجرمين . فإنّ بروز الجحيم هو بروز سطوته تعالى ونكاله على المجرمين ؛ وأمّا المحسنون ، فلا سبيل عليهم ، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون . قال تعالى :
« إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ . لا يَسْمَعُونَ حَسِيسَها وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خالِدُونَ » .
( الأنبياء / 101 و 102 )
فإن قلت : إنّ ظاهر بعض الآيات رؤية الناس كلّهم النار ؛ كقوله تعالى :
« وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا . ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا » .
( مريم / 71 و 72 )
قلت : قد عرفت أنّ الآية المبحوثة في سياق التّهديد والتقريع . وهذه الآية ليس فيها شيء من التهديد . فإنّها في مقام الإخبار عن قضائه تعالى الحقّ وحكمه