تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
الغطاء عن الأمر المغطّى والمغفول . فيكون التذكّر هو التوجّه الجديد الحادث يفاض عليها ويراها ويشهدها بعد الموت ، عند ابتداء سير صراطها الصّعوديّ . وليس عندهم وراء هذا العالم المادّيّ عالم مادّيّ آخر . فأوّلوا بذلك جميع النّصوص والمحكمات الراجعة إلى عالم الآخرة . قوله تعالى :
« وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرى
( 36 ) » . البروز بحسب موارد استعماله : ما يقابل الخفاء . أي : برز وظهر بعد ما كان مخفيّا . فينطبق على مورد الأمر المجهول المغفول المحض ، ولا ينطبق على شيء من الأمر المنسيّ بالطّبيعة أو بالتسامح وعدم التحفّظ . وفي القاموس 2 / 165 : برز بروزا : خرج إلى البراز ؛ أي : الفضاء ؛ كتبرّز . . . وبارز القرن مبارزة وبرازا : برز إليه . أقول : لمّا كانت الجحيم من جملة الحقائق الأخرويّة ، والآخرة بجميع مواقفها مخلوقة موجودة في مرتبة متقدّمة على عالم الدّنيا ، والدنيا في مرتبة متأخّرة في طولها ، والحقائق الأخرويّة أيضا مادّيّة أشدّ وألطف من الموادّ الدنياويّة ؛ فالجحيم وما سواها من الحقائق الأخرويّة كلّها غيب في مقابل عالم الدنيا وعالم الشّهادة . ومعنى كون الآخرة غيبا في مقابل عالم الشّهادة والدنيا أنّ اللّه سبحانه ضرب عليها الحجاب العمديّ ، فلا يمكن التّطلّع عليها عن مشاهدة وعيان ، إلّا في مرتبة الآخرة . فعالم الآخرة من أوّل منازلها ومواقفها ، من حين السياق ومعاينة ملك الموت إلى آخر مواقفها ، مستورة ومحجوبة عن الإنسان . وبالموت يكشف الغطاء ويرفع الحجاب عن بصره وبصيرته ، فيرى ويشاهد ما هنالك من الأعيان والحقائق الموجودة ، شيئا بعد شيء ، وموقفا بعد موقف ؛ حتّى ينتهي إلى موقف مشاهدة النار والجحيم ، فبرّزت له بأمره تعالى . فتحصّل في المقام أنّ الجحيم قد كانت موجودة مخلوقة مستورة محجوبة عنه ، فبرّزت له . فالآية الكريمة نظير قوله تعالى :
« وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ . لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ » .
( ق / 21 و 22 )