قوله تعالى :
« فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى
( 34 ) » .
قال في القاموس 4 / 145 : طمّ الماء طمّا وطموما : غمر . والإناء : ملأه . والركيّة يطمّها ويطمّها : دفنها وسوّاها . والشيء : كثر حتّى علا وغلب . . . والطّامّة : القيامة والداهية تغلب ما سواها .
أقول : ظاهر المجمع وغيره من المفسّرين هو المعنى الأخير ؛ أي : القيامة الّتي تغلب وتعلو مصائبها جميع المصائب والدواهي . وقول القاموس : « والشيء : كثر حتّى علا وغلب » يفيد هذا المعنى أيضا .
وقد ذكرنا فيما تقدّم أنّ قوله تعالى
« أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً »
- الآيات ، استفهام إنكار وتوبيخ ومسوق لرفع استبعاد من أنكر البعث واستحاله . والآية الكريمة تقرعهم وتحتجّ عليهم بأنّ من خلق السّماء وبناها وسوّاها - الخ ، يقدر على بعثكم ، ولستم بأشدّ خلقا من السّماء . فالآية الكريمة نظير قوله تعالى :
« أَ وَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ »
( يس / 81 ) .
فقدرته تعالى على إطلاقه وشدّته بغير نهاية ، لا وجه لتخصيصه بمقدور دون مقدور .
فإنّ حكم الأمثال فيما يجوز وفيما لا يجوز سواء .
فقوله تعالى : «
فَإِذا جاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرى
» مع التعبير بالفاء ، مسوق لمقام التفريع من قوله تعالى :
« أَ أَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً »
- الآيات ، ولبيان شيء من الاحداث المهمّة فيها .
وقوله تعالى : «
يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسانُ
. . .
وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ
. . . » نعت وصفة للطّامّة . والطّامة ظرف للتذكّر والتبريز . فتذكّر الإنسان وتبرّز الجحيم من شؤون الطّامّة ، لا أنّ الطامّة وقعت في ذلك اليوم . فكم من فرق بين أن يقال إنّ الطّامّة والقيامة محقّقة في يوم يتذكّر الإنسان ما سعى ، ويوم برزّت . . . وبين أن يقال إنّ تذكّر الإنسان بما سعى وتبرّز الجحيم من الاحداث الكبار الواقعة في هذا اليوم ؛ أي :
يوم القيامة .
ولا يخفى أنّ سياق الآية الكريمة ليس إلّا لإثبات البعث ، ورفع استبعاد من أنكر ذلك واستحاله ، بالمجادلة الحسنى . وهذا هو مورد النفي والإثبات في أمثال المقام .