تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهج البيان في تفسير القرآن — صفحة 133

مساهمون:

ص١٣٣
ولا يبعد أن يقال : إنّ في قوله تعالى :
« أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ . وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها »
( فصّلت / 9 و 10 ) تلويحا وإشارة إلى أنّ خلق الأرض في يومين ؛ أي : في مرتبتين من مراتب الخلقة ، قد جعل الرواسي في الأرض في هاتين المرتبتين . الأمر الثاني : قوله تعالى :
« وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ »
( النحل / 15 ) ؛ الظّاهر أنّ قوله تعالى :
« أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ »
مفعول له لقوله تعالى :
« وَأَلْقى » .
أي : لئلّا تميد بكم . قال في القاموس 1 / 339 : ماد . . . ميدانا : تحرّك وزاغ وزكا . والسّراب : اضطرب . والميدان على ما يستفاد من اللّغة : الحركة بالارتعاش ، أي حركة نفس الجسم ، لا حركة سطح الجسم لرخوتها ونداوتها ، كما توهّمه الشيخ محمّد عبده عند تفسير قول مولانا عليّ أمير المؤمنين - عليه السّلام - - : « ووتّد بالصّخور ميدان أرضه » فقال : أي : سكن الأرض بعد اضطرابها ، بما رسخ من هذه الصّخور الجامدة في أديمها . وهو يشير إلى أنّ الأرض كانت مائرة مضطربة قبل جمودها . أقول : نعم ؛ قد كانت مضطربة مائرة قبل جمودها ؛ إلّا أنّ جمودها أجنبيّ عن إلقاء الرواسيّ فيها . والجمود إنّما تحصل بجفافها وسلب النّداوة عنها . الأمر الثالث : إنّ إلقاء الرواسي في الأرض ، كي لا تتحرّك الأرض ويتحرّك أهلها بحركتها ، لا دلالة فيه على نفي الحركة على الإطلاق ؛ وإنّما يفيد نفي الحركة بالارتعاش والاضطراب . بل من الممكن أنّ لها حركة أخرى معتدلة من دون ارتعاش واضطراب . كما يشير إليه قول مولانا عليّ أمير المؤمنين - عليه السّلام - في نهج البلاغة / 328 ، الخطبة 211 : « . . . فأرساها في مراسيها . . . وجعلها للأرض عمادا ، وأرّزها فيها أوتادا . فسكنت على حركتها من أن تميد بأهلها ، أو تسيخ بحملها . » فأفاد - عليه السّلام - أنّ بإلقاء الرواسي في الأرض ، جعلها عمادا للأرض ،