« وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ » .
( الذاريات / 48 )
أقول : لا يخفى أنّ الدّحو والمدّ والفرش ، كلّها متقاربات بحسب المفهوم والمعنى ، وجميعها متباينات مفهوما لمفهوم الخلق . ضرورة أنّ دحو الأرض ومدّها وفرشها ، غير إيجادها ، بل في مرتبة متأخّرة عن الإيجاد ، ومتوقّف عليه . وعلى فرض توهّم الإطلاق في بعضها - مثل المدّ والفرش - يكون صريح قوله تعالى :
« وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها »
مقيّدا لهذا الإطلاق . فتكون الآيات متحّدة المفاد في إفادة هذه الحقيقة القرآنيّة الّتي هي دحو الأرض بعد خلقها . فلا يجوز أن يقال إنّ المراد في هذه الآيات خلق الأرض ممدودة ومفروشة ؛ لأنّ في ذلك تفوت العناية الملحوظة في هذه الآيات من أنّ مرتبة المدّ والفرش بعد مرتبة الخلق . بل هذه الرتبة إنّما هي خلق بعد خلق . وقد كانت مخلوقة غير مدحوّة ؛ ثمّ مسّتها يد العناية الربوبيّة بالدّحو والمدّ والفرش .
قوله تعالى :
« أَخْرَجَ مِنْها ماءَها » ؛
أي العيون الكبار والصّغار ، بالتفجير من الأرض ، أو باستخراج الناس إيّاها من القنوات والآبار ، ينتفع بها الناس في حوائجهم وتتهيّأ بها أرزاق الجماعات الكثيرة .
وفي حبس هذه المياه وادّخارها في أعماق الأرض ، ثمّ إخراجها وإجرائها على وجه الأرض وانتفاع الناس بهذه الخزائن المباركة المودعة في قعر الأرض آيات بيّنات لقوم يعقلون . قال تعالى :
« وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ » .
( المؤمنون / 18 )
« أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ . . . » .
( الزمر / 21 )
ظاهر كلمات بعض المفسّرين في تفسير هاتين الآيتين أنّ المياه المخزونة في الأرض إنّما هي من مياه الأمطار .
قال في المجمع 7 / 101 :
« وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً » ؛
أي : مطرا وغيثا « بقدر » ؛