أقول : في الآية الكريمة دلالة وشهادة على أنّ السّماء والأرض واجدتان للشّعور والاختيار . فقد أطاعتا أمر اللّه - سبحانه - راغبتين منقادتين فقالتا : « أتينا طائعين » . وواضح بحسب الأدلّة الشرعيّة أنّ الشعور ليس عين ذات الإنسان ولا غيره من الأعيان ؛ بل هي واجدة إيّاه ، مستنيرة بهذا النّور ، حسب ما أفاضه اللّه على كلّ موجود من موجودات العالم ممّا يشاء . قال تعالى :
« قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى » .
( طه / 50 )
« وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها » .
( الشمس / 7 و 8 )
وهذا الّذي ذكرناه غيرما ذكره الصّوفيّة من كون ذوات الأشياء شاعرة وحمل الآيات والروايات الدالّة على شعور الموجودات على ذلك .
وفي نهج البلاغة / 261 الخطبة 182 قال - عليه السّلام - :
« فمن شواهد خلقه خلق السّموات موطّدات بلا عمد ، قائمات بلا سند .
دعاهنّ فأجبن طائعات مذعنات ، غير متلكّئات ولا مبطئات . ولولا إقرارهنّ له بالربوبيّة وإذعانهنّ له بالطواعية ، لما جعلهنّ موضعا لعرشه ، ولا مسكنا لملائكته ، ولا مصعدا للكلم الطيّب والعمل الصالح من خلقه . »
وقال تعالى :
« هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ » .
( البقرة / 29 )
بيان : ظاهر الآية الكريمة للوهلة الأولى أنّ خلق الأرض قبل خلق السّموات . فيظهر التنافي بينها وبين قوله تعالى :
« وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها » .
وأورد الرازيّ في تفسيره 2 / 155 في تفسير الآية مسألة التنافي ، وأورد الجواب عنها إلى أن قال : والجواب الصّحيح أنّ قوله :
« ثُمَّ »
ليس للتّرتيب هاهنا ، وإنّما هو على جهة تعديد النعم . مثاله قول الرجل لغيره : أليس قد أعطيتك النعم العظيمة ورفعت قدرك ؟ ! ثمّ دفعت الخصوم عنك ؟ ! ولعلّ بعض ما أخّره في الذكر ، قد تقدّم . فكذا