الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ
» ( فصّلت / 9 ) أنّ اللّه - سبحانه - خلق الأرض في ثلاث مراتب ومراحل طوليّة . وقد عبّر عن مادّتها في لسان القرآن والروايات بالماء . ثمّ خلق الماء زبدا . ثم خلق الزبد أرضا بيضاء نقيّة . وفي قوله تعالى :
« وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ » ؛
أنّه : قدّر جميع ما يحتاج إليه الناس في معاشهم وحياتهم في فصول أربعة . ثمّ عمد تعالى إلى خلق السّماء ، وخلق السّماء بعد ما كان دخانا . ثمّ قال لها وللأرض : ائتيا طوعا أو كرها . قالتا : أتينا طائعين .
أقول : هذا من باب الخلق بعد الخلق . وهذا مرتبة تماميّة خلقة السّماء والأرض ودحوها . وقوله تعالى :
« وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ »
صريح في أنّ الأقوات ليست مخلوقة في مرتبة العين والخارج قبل رفع السّماء ودحو الأرض .
ويشهد على ذلك أيضا قوله تعالى :
« أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما » .
( الأنبياء / 30 ) وفي روضة الكافي / 94 ، عن محمّد بن عطيّة ، في تفسير هذه الآية ما ملخّصه : « إنّ السّماء كانت رتقا لا تمطر والأرض كانت رتقا لا تنبت . ففتق اللّه السّماء بالمطر ، والأرض بالنّبات . »
فعلى هذا ليس قبل فتق السّماء بالمطر وفتق الأرض بالنبات ، شيء من الأقوات موجودة بحسب العين والخارج . فلا يمكن أن يقال إنّ اللّه خلق الأرض وما يحتاج إليه الناس ، قبل رفع السّماء ودحو الأرض . فالمتعيّن بحسب ما استظهرناه من الآيات والروايات ، أنّ الخلق في قوله تعالى :
« هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً »
( البقرة / 29 ) خلق تقدير ، لا خلق تكوين . فيرتفع ما توهّم من التنافي بين الآيات . وللّه الحمد كما هو أهله .
فلنرجع إلى المقصود :
قوله تعالى :
« وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها » ؛
أي : بسطها . في القاموس 4 / 327 :
« دحا اللّه الأرض يدحوها ويدحاها دحوا : بسطها . » وقال تعالى :
« وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً » .
( الرعد / 3 )
« وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها . . . » .
( الحجر / 19 )
« وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها . . . » .
( ق / 7 )