فالآية الكريمة صريحة في أنّه لمّا استتمّ خلق السّماء والأرض ، ولمّا استكمل أمر البناء فيهما بعد ، شرع تعالى بخلق السماء بعد ما خلقها دخانا ، وبخلق الأرض ودحوها بعد ما خلقها زبدا . وهذا الّذي ذكرناه ، من باب الخلق بعد الخلق ؛ كما في قوله تعالى :
« يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ » .
( الزمر / 6 )
ويلوح من الآية الكريمة في قوله تعالى :
« فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا »
أنّ أمره تعالى بإتيان الأرض ، بعد أمره بإتيان السّماء ؛ وإجابة الأرض لأمره تعالى ، بعد إجابة السّماء وإطاعتها . وإن أبيت ذلك ، وتشبّثت بالإطلاق في الآية ، فيقيّد إطلاق الآية بقوله :
« وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها » .
فتبيّن في المقام أنّه لا تنافي بين هذه الآية وبين الآية المبحوثة في هذه السّورة .
وخلاصة القول في الآية الكريمة في سورة فصّلت والآية في هذه السورة : إنّ اللّه تعالى خلق الأرض في مراحل ثلاث : خلقها بدءا وبدعا ماء ؛ ثم خلقها زبدا ؛ ثمّ خلقها أرضا نقيّة . ثمّ دحاها ، وبثّ فيها من كلّ دابّة ، وأخرج منها جميع أقوات الخلق أجمعين . وكذلك القول في السّماء : خلقها ماء . ثمّ خلقها دخانا . ثمّ رفع سمكها فسوّاها ؛ أي : أتمّها وجعلها سماء . والأرض بعد ذلك دحاها .
في تفسير البرهان 4 / 106 قال عليّ بن إبراهيم :
ثمّ خاطب اللّه نبيّه فقال : قل لهم يا محمّد « أإنّكم لتكفرون بالّذي خلق الأرض في يومين » ومعنى اليومين أي : وقتين إبداء الخلق وانقضائه
« وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها » ؛
أي : لا يزول ولا يفنى
« فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ » ؛
يعني : في أربعة أوقات . وهي الّتي يخرج اللّه فيها أقوات العالم - من الناس والبهائم والطّير وحشرات الأرض وما في البرّ والبحر من الخلق - من الثّمار والنباتات والشجر ، وما يكون فيه معاش الحيوانات كلّه وهو الربيع والصيف [ والخريف ] « 1 » والشّتاء . ففي الشّتاء يرسل الله الرياح . . . »
هامش
( 1 ) - من نور الثقلين 4 / 539 .