ذلِكَ دَحاها
» يقول : بسطها . . . »
بيان : الظّاهر أنّ الماء الّذي هو مادّة الموادّ ، هو المخلوق الأوّل في عالم المادّة ابتداء وإبداعا . وليس هو الماء المشهود بيننا في عالم الدنيا ؛ بل هو عبارة عن مادّة جميع العوالم والأعيان الدنياويّة والآخرويّة ، وإليه ينتهى نسب جميع الأعيان ؛ ما نعرف منها وما لم نعرف وخاصّة من الأعيان والحقائق الآخرويّة .
وهذه الروآية الشّريفة صريحة في أنّ خلق الأرض قبل رفع السّماء ، ودحوها بعد رفع السّماء . وعلى ذلك شواهد أخرى نتعرّض لبعضها في أثناء البحث - إن شاء اللّه . قال تعالى :
« قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ . وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ . ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ . فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ »
. ( فصّلت / 9 - 12 )
بيان : الاستفهام للتّوبيخ ، وللتّعجّب من كفرهم وشركهم باللّه - سبحانه - واتّخاذهم الأنداد يعبدونها من دونه تعالى . وقوله :
« ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ » ؛
أي : هو بالمنظر الأعلى وبالأفق المبين أجلّ وأظهر من أن يخفى لقوم يعقلون . والظّاهر من خلق الأرض ، خلق موادّها وتركيب أجزائها ، بقرينة ما سيأتي من البيان . والظاهر أنّ المراد من اليومين الوقتين . إذ ليس ثمّة اليوم المعهود عندنا ، فليس ثمّة سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا نجوم . ولعلّ المراد من اليومين كونها زبدا متراكما وأخرى أرضا نقيّة .
قوله تعالى :
« وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ » ؛
أي : جبالا رواسي ، لئلّا ترتعش الأرض وتميد بهم . وقوله تعالى :
« وَبارَكَ فِيها » ؛
أي : جعل فيها البركة ، وجعلها منشأ ومنبعا للخيرات والبركات المادّيّة - إذ قدّر فيها جميع ما يحتاج إليه الخلق من الإنسان