وأنواع الحيوان والحشرات في البرّ والبحر ، لا تفنى ولا تزول تلك الأقوات ما دامت الدّنيا ولأهلها فيها البقاء - وكذلك البركات المعنويّة ؛ حيث جعلها اللّه - سبحانه - معبدا ومسجدا لأوليائه ، ومتجرا لأحبّائه يشترون بأنفسهم وأموالهم ووجاهتهم مرضاة اللّه والقرب والزلفى عنده سبحانه وتعالى .
قوله تعالى :
« وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها » ؛
أي : قدّر في الأرض الأقوات كلّها ، وادّخر فيها بتدبيره العليم الحكيم جميع ما يحتاج إليه عامّة الخلق من الإنسان وغيره .
قوله تعالى :
« فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ » .
الظّاهر أنّ الظرف متعلّق بقوله تعالى :
« قَدَّرَ » .
كما أنّ ظاهر السّياق بمعونة بعض الروايات الآتية أنّ المراد من « أربعة أيّام » هي الفصول الأربعة . وذكر المفسّرون في تفسير « أربعة أيّام » وجوها أخرى أعرضنا عن إيرادها .
وفي التعبير بقوله تعالى :
« قَدَّرَ »
دلالة وشهادة على أنّ تلك الأرزاق والأقوات المذكورة ، إنّما هي في مرتبة التقدير ، لا بحسب العين والخارج . إذ ليس اليوم سماء ولا سحاب ولا مطر ولا أرض ولا خلق ولا نبات ، وإذا خلق اللّه السّماء والأرض كانتا رتقا . قال تعالى :
« أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما . . . » .
( الأنبياء / 30 ) أي : كانتا مرتوقتين ؛ قد كانت السّماء رتقا لا ينزل المطر ، والأرض رتقا لا ينبت الحبّ . وإذ خلق اللّه آدم ، وبثّ في الأرض من كلّ دابّة ، فتق السّماء بالمطر ، والأرض بالنّبات ، وصبّ عليها الماء وشقّها شقّا ، فأنبت فيها حبّا وغيره من أنواع المأكول ، ومن جميع ما يحتاج إليه الناس ما لا يحصيه كثرة إلّا اللّه - سبحانه .
قوله تعالى :
« ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ » ؛
أي : بعد ما خلق الأرض في يومين ، وخلق جبالها ، وخلق أرزاقها - خلق تقدير لا خلق تكوين - عمد تعالى وأخذ بخلق السّماء والأرض .
« فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً » ؛
أي : أمرهما تعالى بقوله :
« كُنْ »
كلمة الإيجاد والتكوين ، فأجابتا وأطاعتا ؛ وحقّت لهما الإجابة والإطاعة و « قالتا أتينا طائعين » . والظّاهر أنّ المراد من قوله تعالى :
« طَوْعاً أَوْ كَرْهاً »
نفوذ أمره ومضيّ قضائه - سبحانه - فيهما على كلا الحالين .