لأجله . قال تعالى :
« وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً » .
( القصص / 14 )
« أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا » .
( الكهف / 37 )
وللمفسّرين في معنى التّسوية أقوال . فقيل : سوّاها بلا شقاق ولا فطور ولا تفاوت . وقيل : سوّاها : أحكمها وجعلها متصرّفا للملائكة . وقيل : تأليفها . وقيل : ترتيب أجزائها وتركيبها بوضع كلّ جزء في موضعه الّذي تقتضيه الحكمة . ( تفسير الرازيّ 31 / 46 ، ومجمع البيان 10 / 434 )
أقول : الأقوال المذكورة لا استناد فيها إلى شيء يعتمد عليه ، وغير ملائم لمسير الآيات وسياقها . فإنّ التسوية - كما هو ظاهر الآية - بعد البناء ورفع السمك ؛ وهذا متأخّر عن مرتبة تأليف الأجزاء وترتيبها وتركيبها . نعم ؛ لا يخلو ما في القول الثاني - أي : أحكمها - من وجه .
والعجيب ما حكاه الرازيّ عن بعضهم من الاستدلال على أنّ السّماء كرة بوجوه ضعيفة أعرضنا عن إيرادها . من أرادها ، فليراجعها .
قوله تعالى :
« وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها
( 29 ) » .
قال في القاموس / 292 : غطش اللّيل يغطش : أظلم ؛ كأغطش .
أقول : نسب الظلمة والضّحى إلى السّماء ، لأنّ منشأ النور - وهو الشمس - خلقها اللّه في السّماء ؛ فبغروبها عن الصّفحة المقابلة لها من الأرض والسّماء والهواء والفضاء ، تصير هذه الصفحة وما فوقها من السّماء ليلة مظلمة ؛ وبشروقها على الصّفحة المواجهة له من الأرض وما فوقها من الهواء وغيرها من الأجرام المواجهة لشمس دون شمس ، تصير نهارا مبصرا . والمعنى : إنّه تعالى بعد بناء السّماء ، وبعد رفع سمكها ، وبعد ما سوّاها ، عمد تعالى إلى خلق أقمارها وشموسها ونجومها ، وجعل بغروبها وشروقها ليلة مظلمة ونهارا مبصرا . وفي هذا أيضا تأييد لما ذكرنا في تفسير التّسوية .
قوله تعالى :
« وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها ( 30 ) » ؛
أي : بسطها .